تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣

المسألة الخامسة :

قوله تعالى :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[ البقرة : 2 / 125 ] . قرأ ابن عامر ، ونافع : ( واتّخذوا ) بفتح الخاء ، وقرأ الباقون :
وَاتَّخِذُوا
بكسر الخاء « 1 » . فمؤدّى قراءة ابن عامر ونافع الإخبار عن فعل الأولين ، فهي محض خبر ، وأما قراءة الجمهور فهي في مقام إنشاء الأمر باتّخاذ المقام مصلّى . وهذه المسألة من موافقات عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، أخرج البخاري عن أنس عن عمر بن الخطاب قال : « وافقت ربّي في ثلاث ، ووافقني ربّي في ثلاث ، قلت : يا رسول اللّه إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت آية الحجاب ، وقلت : يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
، واجتمع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساؤه في الغيرة ، فقلت لهن : عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات . . . فنزلت » « 2 » .

وثمرة الخلاف :

أن مقام إبراهيم عليه السلام لم يزل مصلى ، فقد اتّخذه بنو إبراهيم بعد أبيهم ، وقد أمر اللّه عزّ وجلّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته بإقرار ذلك وجعله مصلى ، وهذا المعنى بجملته لا يفهم من إحدى القراءتين دون الأخرى ، ولا بدّ من إعمالهما معا ليتضح ذلك . وليس لهذا الخلاف ثمرة فقهية ظاهرة ، ولكنه أفاد خبرا في أن مقام إبراهيم لم يزل مصلى يتّخذه المتحنفون على ملّته ، فجاءت الشريعة بإقرار ذلك ثم الحثّ عليه . وفيه من الفوائد التربوية أن ليس كل قديم ينبذ ، وأن اقتفاء الأبناء هدي آبائهم وتراثهم ليس مذموما على إطلاقه ، وأن ركوب أهل الباطل لبعض مراكب الحق لا يشين الحق في ذاته .
هامش
( 1 ) سراج القاري لابن القاصح العذري 157 ، وعبارة الشاطبي :. . . . . . . . . * واتخذوا بالفتح عم واوغلاوانظر حجة القراءات 113 . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب المناقب ، فضائل عمر بن الخطاب ، وأخرجه كذلك الترمذي ، والنّسائي ، وابن ماجة ، كما أخرجه أبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في سننه عن أنس .