تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
إلى الثلث ، أو زد على الثلث ، ولم يأمرهم بأن ينقصوا من الثلث شيئا . وأما قوله :
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ
أي : لن تطيقوه كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « استقيموا ، ولن تحصوا » « 1 » ، أي : ولن تطيقوا ، واللّه أعلم « 2 » .

وثمرة الخلاف :

أن منطوق الآية نصّ في أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة الكرام كانوا يقومون أجزاء مختلفة من الليل ، فمرة يقوم أدنى من الثلثين ، ومرة يقوم نصف الليل ، ومرة ثلث الليل ، ومرة أدنى من نصف الليل ، ومرة أدنى من ثلثه ، وهذا ما دلّت له القراءتان ، فدلّت قراءة نافع ، وابن عامر ، وأبي عمرو على قيامه صلّى اللّه عليه وسلّم أقل من النصف وأقل من الثلث ، فيما دلّت قراءة الباقين على قيامه النصف والثلث ، وذلك بمجموعه تيسير الأمة ، وتخفيف عليها ، إذ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مقام الأسوة ، وإذا صحّ عنه قيام ذلك من الليل كان ذلك إذنا لأمته ، في تخيّر ما يقدر العبد عليه من أحوال القيام . وهل القيام في حقّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فريضة كما اختاره الغزالي ، أم هو وأمته سواء « 3 » ؟ وهذا الذي اختاره الغزالي من أن القيام فريضة في حقّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هو ما دلّ له حديث : « ثلاثة عليّ فريضة ولأمّتي تطوّع : قيام الليل ، والوتر ، والسواك » « 4 » ، وهذا الحديث لو صحّ لقطع كل نزاع في أن القيام تعين فريضة في حقّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن معالجة إسناد الحديث - كما يظهر لك - تكشف أنه لا ينهض مستقلّا في إثبات ذلك .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 5 / 277 ، وكذلك الحاكم في المستدرك ، والبيهقي عن ثوبان وثمامة : « استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن » . ( 2 ) حجة القراءات 731 . ( 3 ) أخرج أحمد في مسنده والحاكم عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ثلاث هنّ عليّ فريضة ، وهنّ لكم تطوّع : الوتر ، وركعتا الضحى ، والنّحر » . ( 4 ) هذا الحديث أورده القرطبي في الجامع 10 / 308 ، ولم يشر إلى من خرّجه وهذه أولى أمارات التضعيف . وأورده الهندي المباركفوري في كنز العمال 7 / 19853 ، وعزاه إلى البخاري ، ومسلم ثم قال : وضعّفه عن عائشة ؟ وهذه أعجب وأعجب ، فليس في البخاري ولا مسلم من ذلك شيء ، وغالب الظّن أن الحديث من رواية البيهقي في شعب الإيمان ، فذهل المباركفوري أو الطابع فكتب رمز الشيخين مكان رمز البيهقي ، إذ رمزهما عنده ق ، ورمز البيهقي هق ، والرمزان متشابهان ، وليس من عادة المباركفوري أن يضعف ما نسب إلى البخاري ومسلم في مقام .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 261 | محمد الحبش