المسألة الرابعة :
قوله تعالى :
وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً
[ الكهف : 18 / 59 ] .
قرأ أبو بكر - شعبة بن عياش - راوي عاصم : ( وجعلنا لمهلكهم موعدا ) « 1 » بفتح الميم واللام . أي : جعلنا لهلاكهم موعدا . جعله مصدرا ( هلك ، مهلك ، مهلكا ) ، وكل ما كان على ( فعل ، يفعل ) ، فاسم المكان منه على ( مفعل ) والمصدر على ( مفعل ) بفتح العين .
وقرأ حفص :
لِمَهْلِكِهِمْ
بفتح الميم ، وكسر اللام . أي : لوقت هلاكهم . قال الزّجاج :
( مهلك ) : اسم للزمان على ( هلك يهلك ) وهذا زمن مهلك مثل جلس يجلس . فإذا أردت المصدر قلت : ( مهلك ) بفتح اللام كقولك : ( مجلس ) ، فإذا أردت المكان قلت : ( مجلس ) بكسر اللام . حكى سيبويه عن العرب أنهم يقولون : ( أنّت النّاقة على مضربها ) أي : على وقت ضرابها .
وقرأ الباقون : ( لمهلكهم ) بضم الميم ، وفتح اللام . أي : جعل لإهلاكنا إياهم موعدا .
قال أهل البصرة : تأويل ( المهلك ) على ضربين : على المصدر ، وعلى الوقت . فمعنى المصدر : ( لإهلاكهم ) ، ومعنى الوقت : لوقت إهلاكهم . قالوا : وهو الاختيار ؛ لأن المصدر من ( أفعل ) في المكان ، والزمان يجيء على ( مفعل ) كقوله :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 17 / 80 ] .
وثمرة الخلاف :
أن المولى سبحانه أخبر أن هلاك الأمم ووقت هذا الهلاك ومكانه كل ذلك مقرر بأجل مسمى عند اللّه عزّ وجلّ .
وإنما تظهر هذه المعاني من التأليف بين القراءات الثلاث ، وهي معاني كمل بعضها بعضا - كما ترى - لا تتنافر ولا تتدابر « 2 » .
هامش
( 1 ) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة ، ط مؤسسة الرسالة 421 . وانظر سراج القاري لابن القاصح ، ط البابي الحلبي 279 . وعبارة الشاطبي :لمهلكهم ضموا ومهلك أهله * سوى عاصم والكسر في اللام عولا( 2 ) حجة القراءات لأبي زرعة 421 .