تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
الصفة المركبة على المفردة ، وهو خلاف الأصل « 1 » ، ولكن هذا الاعتراض لا يسقط اعتماد اختيار نافع للوجه المتواتر المذكور ؛ إذ تواتر النقل يدفع كل شبهة ، ولكن مع ذلك فإن نظائر هذا في القرآن كثير ، فمن ذلك قوله سبحانه في سورة سبأ :
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
[ سبأ : 34 / 7 ] ، وهي قراءة ابن كثير وحفص ويعقوب ، وكذلك قوله سبحانه في الجاثية :
لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
[ الجائية : 45 / 11 ] ، وهي قراءة ابن كثير ، وحفص ، ويعقوب أيضا .

وثمرة الخلاف :

أن من الغيبيات التي يلزم المكلّف اعتقادها معرفة اللوح ، فاللوح المحفوظ المشهور سجّل كتب اللّه سبحانه فيه أعمال الخلائق ، وأرزاقها ، وفيه ما كان ، وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وما تسقط من ورقة ، ولا حبّة في ظلمات الأرض ، ولا رطب ، ولا يابس إلا في كتاب مبين . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه تبارك وتعالى قبل كل شيء ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في اللوح ذكر كل شيء » « 2 » . واللوح مخلوق ، والقرآن فيه منذ أن أذن اللّه عزّ وجلّ أن يكون كلامه القديم في ذلك اللوح ، وهذا القيد ضروري حتى لا يلتبس على الناس أن حدوث اللوح يلزم منه حدوث القرآن ، فالقرآن في علم اللّه قديم ، وهو كلام اللّه ، وهو صفة قديمة قائمة بذاته سبحانه . وأما وصف اللوح فلم يرد فيه حديث صحيح « 3 » ، وغاية ما أورده المفسرون نقول عن بعض السّلف من باب المرسل والمقطوع ، وكثير منها إسرائيليات لا يطمئن لها القلب ، غاية الأمر أننا نؤمن باللوح على مراد اللّه ، وكما قال اللّه سبحانه ، ونكل تفصيل كل ذلك إلى المولى سبحانه وتعالى . وتظهر دلالة القراءتين أن اللوح محفوظ ، وأن القرآن محفوظ ، أفادت المعنى الأول قراءة الجمهور ، وأفادت المعنى الثاني قراءة نافع ، وكلاها حكم غيبي يجب اعتقاده ، دلّت عليه القراءة المتواترة .
هامش
( 1 ) انظر الآلوسي في روح المعاني 30 / 94 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد 4 / 413 ، وسائر رواته ثقات ، وهم من رجال البخاري . ( 3 ) ليس في الكتب السّتة ، ولا في مسند أحمد ، ولا الدّارمي من ذكر اللوح إلا هذا الحديث الذي أوردناه ، وهو كما ترى في ذكر اللوح لا في وصفه .