الفردوس ؛ فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة » « 1 » .
وكان من دعاء النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند الكرب : « لا إله إلا اللّه العليم الحليم ، لا إله إلا اللّه ربّ العرش العظيم ، لا إله إلا اللّه ربّ السماوات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم » « 2 » .
وقد اشتهر الجدل بين علماء الكلام قديما في طبيعة العرش ، وهل هو مكان اللّه كما يقول بعض أهل التّفويض ، أم هو اسم لملكوته سبحانه كما يقول أهل التأويل الذين ينزهون اللّه سبحانه عن المكان « 3 » .
وبسط الأدلة في هذه المسألة يطول حتى يخرج البحث عن وجهته ، وأكتفي هنا بإيراد دفع قاضي القضاة ، عماد الدين عبد الجبار بن أحمد لدلالة هذه الآية على صفة المكان فقال : ذو العرش المجيد لا يدل على قول المشبهة في أن العرش مكانه « 4 » ، لأن هذه الإضافة تصح في فعله كما تصحّ في المكان .
ولو شاء اللّه سبحانه لقطع الجدل في ذلك وجعل الناس أمة واحدة ، وأنزل نصوصا لا تقبل التأويل ، فالمسألة في النهاية مسألة نصوص ، فمن توقف في أمر الجهة فإنه لم يستند إلى هوى بل ثمة نصوص قرآنية كثيرة في ذلك منها على سبيل المثال :
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
[ آل عمران : 3 / 129 ] .
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا
[ المجادلة : 58 / 7 ] .
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
[ الواقعة : 56 / 85 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح عن أبي هريرة ، كتاب التوحيد ، باب 97 . وانظر أيضا فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 13 / 404 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي اللّه عنه ، كتاب التوحيد ، باب 97 . وانظر أيضا فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 13 / 405 .
( 3 ) انظر : أثر الحقيقة والمجاز في فهم المحكم والمتشابه . وهي رسالة ماجستير أعدّها إبراهيم أحمد مهنا في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ، فقد أفرد للحديث عن العرش فصلا خاصّا ، عناوين مباحثه : معنى العرش ، زنة العرش ، اهتزاز العرش ، وهو بحث فريد لم يسبق إليه .
( 4 ) تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار بن أحمد المتوفّى عام 415 ه ، ص 456 .