المسألة التاسعة :
قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ، أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
[ الزّخرف : 43 / 19 ] .
قرأ نافع ، وابن عامر ، وابن كثير : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن ) بالنون .
وحجتهم قوله :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
[ الأعراف : 7 / 206 ] .
وقرأ الباقون :
عِبادُ الرَّحْمنِ
جمع عبد . وحجتهم قوله :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
، فقد جاء في التنزيل بالأمرين جميعا . وفي قوله : ( عند الرحمن ) دلالة على رفع المنزلة والتقريب كما قال :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[ النّساء : 4 / 172 ] ، وليس من قرب المسافة . وفي قوله :
عِبادُ الرَّحْمنِ
دلالة على تكذيبهم في أنهم إناث كما قال :
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ
« 1 » [ الصّافات : 37 / 150 ] .
وثمرة الخلاف :
أن قراءة الشامي ، والمكي ، والمدني نصّت على الإذن بوصف الملائكة أنهم عند اللّه ، و ( عند ) هنا هي مسألة مكان ، لا مسألة مكان كما سبق بيانه ، ونظيره في التنزيل العزيز :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
[ الأعراف : 7 / 206 ] .
وأفادت قراءة الكوفيين ، والبصري توكيدا لحقيقة أن الملائكة ليسوا بإناث ، وهم لا يوصفون كذلك بالذكورة وليس لهم وصفها .
ولا يخفى أن الإنكار الشديد الوارد في الآية متّجه إلى ما ظهر من المشركين من فساد اعتقاد في إثبات صفة الأنوثة للملائكة ، وليس لمحض التسمية .
قال عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز : « فأما قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها ، وذاك إن المعنى على أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث ، واعتقدوا وجودها فيهم ، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم ، أعني
هامش
( 1 ) حجة القراءات 647 .