وهذا في الحقيقة من بدائع الكلم ، إذ جعل
نَقْدِرَ
هنا من التقدير ، وهذا كما ترى ظنّ محمود يندرج تحت حسن الظن باللّه ، ويتضمن اعتقاد نبي اللّه يونس بأن اللّه لن يقدر عليه العقوبة ، بل يعفو ويرحم .
وقد أفاض الإمام القرطبي في الرّد على من تأوّل الآية هنا بمعنى أن إبليس استزلّه ، وأوقع في ظنه إمكان ألا يقدر اللّه عليه بمعاقبته ، فقال القرطبي : هذا قول مردود مرغوب عنه لأنه كفر ، مع أنه صرح بروايته عن سعيد بن جبير « 1 » .
وثمة توجيه آخر لقراءة الجمهور وهو على جعل نقدر هنا بمعنى نضيق ، ويدل لذلك قوله تعالى :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الرّعد : 13 / 26 ] ، وقوله :
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ
[ الطّلاق : 65 / 7 ] ، وهو قول مروي عن سعيد بن جبير ، وعطاء ، والحسن البصري « 2 » . فهناك إذن توجيهان لقراءة الجمهور أنها بمعنى : التقدير ، وبمعنى التّضييق .
ويشهد للقول بأنه التقدير أيضا ما روي أن عمر بن عبد العزيز قرأها : ( فظنّ أنه لن نقدر عليه ) ، وبمثل ذلك روي عن قتادة ، والفراء ، وأنشد ثعلب :
فليست عشيات اللوى برواجع * لنا أبدا ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ، ولك الشكر « 3 »
وثمرة الخلاف :
أن نبي اللّه يونس - وهو النبي المعصوم - لما ترك قومه وقع في ظنه شيئان :
الأول : أن قومه لن يقدروا على إيذائه حين يفرّ منهم ، وهو ما دلّت له قراءة يعقوب بصيغة المبني للمجهول .
الثاني : أن اللّه عزّ وجلّ لن يقدر عليه بمعنى : لن يقدر عليه ، أي : لن يعجل حسابه ويؤاخذه بالإياس من قومه « 4 » ، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور ، وهو حسن ظن باللّه ، وحسن اعتقاد بعفوه ، ورحمته .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11 / 329 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11 / 329 .
( 3 ) المصدر نفسه 330 .
( 4 ) وكذلك على تأويل عطاء ، وسعيد بن جبير أنه ظن أن لن نضيّق عليه ، وقد قدّمنا هذا القول آنفا .