تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وقوله :
فَكَذَّبُوا رُسُلِي
[ سبأ : 34 / 45 ] ، وجعلوا الضمير في ( ظنوا ) للرّسل ، والظّن بمعنى اليقين . وحجتهم في ذلك أن ذكر الرّسل قد تقدم ، ولم يتقدم ذكر المرسل ( إليهم ) فيجعل الضمير له ، وإذا كان ذلك كذلك فالأولى أن يجعل الضمير للرّسل ، فيكون الفعلان للرّسل ، ويصير كلاما واحدا . ومعنى الآية : ( حتى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم ، وظنّوا - أي أيقنوا - أن قومهم قد كذبوهم ؛ جاءهم نصرنا أي جاء الرّسل نصرنا ) « 1 » . قالوا : ومعنى الآية : ( حتى إذا استيأس الرّسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدّقوهم ، وظنّت الرّسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذّبوهم ، جاءهم نصر اللّه عند ذلك ) . قالت عائشة رضي اللّه عنها : ( لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذبوهم ) « 2 » .

وثمرة الخلاف :

أن التّأليف بين القراءات أفادنا عددا من المعاني لا سبيل إلى معرفتها لو لم تتعدّد هذه القراءات المتواترة . فقد دلّت قراءة الكوفيين ، وأبي جعفر بالتخفيف أن نصر اللّه سبحانه آت ، وأن من إرهاص هذا النصر أن يستئيس الرسل من إيمان قومهم ، وأن تظهر شكوك بعض المؤمنين بقولهم : إن الرّسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر ، وكذلك قولهم : إن الرّسل قد كذبتهم فيما وعدتهم به من حلول العذاب بالمشركين . وهذه المعاني كلها تدلّ لها قراءة التّخفيف ، وهي تحمل الأنبياء ومن بعدهم من المصلحين ، والدّعاة على الصبر ، والتّحمل إذا رأوا شكوك الناس في رسالاتهم ، ودعواتهم . ودلّت قراءة الباقين بالتّشديد أن إعراض الناس ، وتكذيبهم بالهدى ، وصدّهم عن سبيل اللّه لا ينبغي أن يدفع إلى يأس الدّعاة ، واستسلامهم بل هو إرهاص بقرب نصر اللّه عزّ وجلّ ودنو فرجه .
هامش
( 1 ) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة 366 . ( 2 ) حجة القراءات 366 . وانظر سراج القاري 226 . وعبارة الشاطبي :. . . . . . . . . * كذا نل ، وخفف كذبوا ثابتا تلا