تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
إنك مستطيع ، فما يمنعك ؟ ولا يستقيم الكلام إلا على تقدير ذلك ، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول : ( هل تستطيع أن يفعل غيرك ) « 1 » . وأما قراءة الجمهور بالغيبة والرفع فيجب توجيهها إلى تأويل الاستطاعة بمعنى الرغبة ، أي هل يرضى ربك أن ينزل المائدة إن سألته ذلك ، كما يقول من يبتغي النصرة من عزيز : أتقدر أن تساعدني في ذلك ، وهو يعلم قدرته واستطاعته ، ولكنه لون من الأدب تعرفه العرب في كلامها « 2 » . وقيل المعنى : هل يقدر ربك ، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم باللّه عزّ وجلّ ؛ ولهذا قال عيسى في الجواب : ( اتّقوا اللّه إن كنتم مؤمنين ) « 3 » . ولكن اعترض القرطبي على هذا التأويل لأن الحواريين خلفاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم ، كما قال اللّه حكاية عنهم وإقرارا لهم :
قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
[ الصّف : 61 / 14 ] ، وقد قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن لكل نبي حواري ، وحواريي الزبير » « 4 » ، ولا يخفى أن معرفة اللّه سبحانه أول الواجبات على المؤمن ، فكيف يصبح هؤلاء حواريين للسيد المسيح ثم لا يعرفون صفة القدرة منه سبحانه وتعالى « 5 » . ولعل أحسن تأويل لذلك أن يقال : إنهم عرفوا اللّه عزّ وجلّ معرفة استدلال وأخبار ، فأرادوا علم معاينة وشهود ، كما قال إبراهيم عليه السلام :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 2 / 260 ] ، فإن إبراهيم من أعظم المؤمنين بقدرة اللّه سبحانه وكماله ووحدانيته ، ثم سأل الآية علّل ذلك بقوله :
بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 2 / 260 ] ، وكذلك قال الحواريون :
نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
[ المائدة : 5 / 113 ] .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 241 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 365 . ( 3 ) المصدر نفسه 6 / 364 . ( 4 ) أخرجه البخاري ومسلم عن جابر في كتاب الفضائل باب فضائل الزبير بن العوام . وأخرجه كذلك ابن عساكر عن الزبير ، وأحمد في مسنده عن علي رضي اللّه عنه . ( 5 ) القرطبي 6 / 365 .