تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وقد أنكر الزمخشري في الكشاف ذلك كله ، وقال : إنهم قالوا ذلك لفساد عقيدتهم ونصه في ذلك : إن اللّه ما وصفهم بالإيمان والإخلاص وإنما حكى ادعاءهم لهما ، ثم أتبعه قوله : إذ قالوا ، فآذن أن دعواهم كانت باطلة ، وأنهم كانوا شاكّين ، وقولهم : ( هل يستطيع ربك ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربّهم « 1 » .

وثمرة الخلاف :

أن المؤمن قد يسأل اللّه سبحانه وتعالى بعض آيات قدرته وهو مؤمن ، ليزداد إيمانا ، ولا يطعن ذلك في شيء من إيمانه ، وقد سبق إلى ذلك الخليل إبراهيم ، والحواريّون الكرام . ودلّت قراءة الجمهور على جواز سؤال اللّه عزّ وجلّ آياته بلفظ الاستطاعة ، وهو ما قرره ابن العربي القاضي المالكي المفسّر حيث أدخل اسم المستطيع في أسماء اللّه تعالى وقال : لم يرد به كتاب ولا سنة اسما ، ولكن ورد فعلا « 2 » ، وذكر قول الحواريين :
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
. وذلك على اختيار القرطبي في تفسيره ، بأن ذلك لم يصدر من الحواريين عن جهل باللّه عزّ وجلّ ، بل عن علم ومعرفة ، ولم ينكر الذكر عليهم سؤالهم ، وهي مسألة اعتقاد لا تختلف فيها الشرائع « 3 » . وأما قراءة الكسائي فلا تدلّ على هذا المعنى ، وغايتها إضمار ما عادته الإظهار ؛ أي : هل تستطيع أن تدعو ربّك . وكما ترى فإن القراءتين أفادتا معنيين مختلفين ، ولكنهما غير متنافرين ، واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) الكشاف للزمخشري 1 / 654 . ( 2 ) كذا نقل القرطبي عن القاضي ابن العربي المالكي في الجامع 6 / 365 . ولكنني تعقبت تفسير ابن العربي أحكام القرآن ، فلم أجد لذلك ذكرا عند هذه الآية في المائدة ، وتعقبته كذلك في الجزء الثاني صفحة 808 ، حيث عقد فصلا خاصّا لاستقصاء الأسماء الحسنى عند قوله سبحانه :وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِهافعدّ منها مائة وثلاثة وأربعين اسما ، ولم يأت فيها على ذكر اسم المستطيع ! ولست أدري من أين نقل عنه القرطبي ذلك . ( 3 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 365 .