تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد عهد إلى أبي بكر وعمر وعثمان بجليل الأعمال ، وأخطر المسئوليات مما لا ينكره القوم ، ثم هم بعد ذلك من المضلّين ؟ ! أليس ذلك طعنا في أمانة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، واتّهاما له بالإعراض عن أمر ربّه بعد أن نهاه عن اتّخاذ المضلّين عضدا وعونا ؟ ! وهكذا فإن اتّهام كبار الصحابة بالفسق والخيانة ما هو في الحقيقة إلا اتّهام مبطن لمقام النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ الذي نهاه اللّه عزّ وجلّ أن يتّخذ أعوانا من المضلّين . ومع أني لم أعثر على استدلال بهذه القراءة لأحد من المفسّرين ، ولكن القراءة كما ترى من أظهر الأدلة على عدالة الصحابة ، واستقامتهم ، وتزكيتهم ، إذ لا ينازع الشيعة في أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصهر إلى الشيخين ، ودفع ابنتيه إلى عثمان ، وعهد إلى الصّدّيق بمعاضدته في الهجرة ، واستشار عمر في أمر الأسرى وأمور أخرى ، وعهد إلى عثمان بمفاوضة قريش يوم الحديبية ، فكيف يسند إليهم هذه الأعمال الجليلة ، وهي من أبرز أشكال المعاضدة والمناصرة ، ثم يقولون بعد ذلك : إن هؤلاء الصحابة كانوا من المضلّين ! وأين يمضون بمذهبهم في وجه هذه الآية المتواترة : ( وما كنت متخذ المضلّين عضدا ) ، والحق أن عدالة الصحابة من المسائل التي تضافرت عليها الأدلة من القرآن والسّنة الصحيحة ، وحظيت بإجماع السّلف من أهل السّنة والجماعة ، وقد لخّص الإمام أبو زرعة عبيد اللّه بن عبد الكريم الرازي مذهب الأمة الإسلامية في عدالة الصحابة ومبررات هذا المذهب بقوله : « إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاعلم أنه زنديق ، لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عندنا حقّ ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسّنن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة » « 1 » .
هامش
( 1 ) العواصم من القواصم لابن العربي المالكي ، ط المكتبة العلمية بلبنان 34 . ويجب الإشارة هنا إلى أنّ ما ذهب إليه أبو زرعة من الجزم بزندقة من يطعن في الصحابة الكرام ليس محل اتّفاق بإطلاق ، وإلا للزم من ذلك زندقة الصحابة أنفسهم ، إذ إنه استفاض طعن علي في معاوية ، وطلحة والزبير ، وطعن سعد بن عبادة في خيرة المهاجرين ، ومثل ذلك في كتب السّير كثير ، وليس هذا محل إحصائه . وإنما مراد أبي زرعة رحمه اللّه تجريح من طعن في صدقهم في الرواية عن المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذلك لم ينقل عن أحد من السّلف الصالح ، وعلى الرغم مما وقع بين الصحابة من حروب ؛ غير أنه لم ينقل عن أحد منهم اتّهام آخر في كذب بالرواية عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 155 | محمد الحبش