تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠

وثمرة الخلاف :

فيما أفادته الآية من معان ، فقد فهمنا من قراءة النصب أن اللّه جعل كلمته عليّة ظاهرة ، ثم عاد فقرر أن علوّ كلمته سبحانه قديم لم يطرأ بعد أن لم يكن ، فالمسألة مسألة إبداء وليست مسألة ابتداء ، فكلمة اللّه عالية أصلا ، ولكن ظنّ بعض الناس خلاف ذلك فأظهر المولى سبحانه إرادته حين قدر نصرة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم على المشركين يوم الغار . هذا ما يمكن به التأليف بين القراءتين ، ولكن ثمة معنى آخر في قراءة يعقوب المتواترة في غاية الأهمية لم أجد من نبّه إليه ، وهو أن الإخبار من المولى سبحانه بجعل الشيء لا يعني حدوثه ، وهي المسألة التي طارت بها المعتزلة قديما في الاحتجاج لقولهم إن القرآن مخلوق ؛ حيث قالوا : كل مجعول فهو مخلوق ، ووجهوا ذلك إلى قول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 1 » [ الزّخرف : 43 / 3 ] . وقوله :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشّورى : 42 / 52 ] ، فأوهموا باستدلالهم حدوث القرآن ، على أساس أنه مجعول . فما ذا ستقول المعتزلة لهذه القراءة المتواترة ، أن اللّه جعل كلمته هي العليا يوم الهجرة ؟ فهل كانت غير ذلك من قبل ؟ وهل طرأ عليها العلوّ طروّا بعد أن لم يكن ؟ . . .
هامش
( 1 ) انظر ما حرره القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي في كتابه طبقات المعتزلة ، 157 ، بتحقيق السيد فؤاد السيد ، ط الدار التونسية للنشر .