تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ثم اشتدّ الطبري في الإنكار على من قرأ بالفتح فقال : وزعموا أن ابن مسعود قرأ :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
بفتح أنه ، وكسر إن ؛ من :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
على معنى إعمال الشهادة في أن الأولى ، وأن الثانية مبتدأة ، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بالفتح جمع قراءة ابن عباس ، وابن مسعود ، فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك على ما وصفت جميع قرّاء أهل الإسلام ، المتقدمين منهم والمتأخرين ، بدعوى تأويل على ابن عباس ، وابن مسعود ، زعم أنهما قالاه ، وقرآ به « 1 » . ثم أنكر إسناد القراءة إلى ابن عباس ، وابن مسعود ، فقال : وغير معلوم ما ادّعى عليهما برواية صحيحة ولا سقيمة ، وكفى شاهدا على خطأ قراءته خروجهما من قراءة أهل الإسلام « 2 » . ثم جزم بوجوب القراءة بالكسر فقال : والصواب - إذا كان الأمر على ما وصفنا من قراءة ذلك - فتح الألف من ( أنه ) الأولى ، وكسر الألف من ( إن ) الثانية « 3 » . وإنما بسطنا القول عن شيخ المفسرين الإمام الطبري ليتبين حرصهم واشتغالهم بتحقيق القراءة الصحيحة ، ولو في الجزئيات التي لا ينبني عليها خلاف ذو معنى . وقد سبق القول إن إنكار الإمام الطبري لقراءة متواترة ؛ إنما منشؤه عدم ثبوت تواتر إسنادها عنده كما صرّح ، فقد كان غالب نهج الطبري إذا أشار إلى ورود قراءتين ثبت لديه تواترها أن يقول : والقول عندي أن كلا القراءتين متواتر ، والحكم بهما جميعا « 4 » . ولو أن ابن مجاهد سبق الطبري « 5 » ، وقدم ما اجتمع لديه من أسانيد قراءة الكسائي لجزم الطبري بالمتواتر ، والتمس لوجوه التأويل كما صنع في مثيلات هذا المقام « 6 » .
هامش
( 1 ) جامع البيان للطبري ، 3 / 140 . ( 2 ) المصدر نفسه ، والصفحة نفسها . ( 3 ) المصدر نفسه ، والصفحة نفسها . ( 4 ) انظر مثلا ما ذهب إليه من قبول قراءة : ولولا دفع اللّه الناس ، ولولا دفاع اللّه الناس ، إذ قال : والقول عندي إنهما قراءتان متواترتان قرأت بهما القرّاء ، وجاءت بهما جماعة الأمة ، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالة معنى الآخر . جامع البيان للطبري ، 2 / 404 . ( 5 ) توفي الطّبري عام 310 ه ، بينما توفي ابن مجاهد عام 324 ه . ( 6 ) انظر صنيع الطبري في نظائر ذلك مما اختلف فيه القرّاء ، وقد أحلنا عليه مرارا في نظائر ذلك .