تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ الحج : 22 / 52 ] . ومما جاء في التنزيل من مقابلة النسخ بالتشابه :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
[ آل عمران : 3 / 7 ] . وقد ثبت بالاستقراء أن آيات الأحكام ليس فيها متشابه ، بل هي جميعا مما أحكم من الكتاب « 1 » ، وما كان منها غير واضح الدلالة فإنه يكشف إبهامه ، ويظهر خفاؤه ، ويفصل إجماله بالأدلة الشرعية من الكتاب والسّنة ووسائل الاستدلال بهما . وهناك طريقتان عند علماء الكلام والتوحيد لمعرفة حكم المتشابه ، اشتهرت الأولى عن السّلف ، واشتهرت الثانية عن الخلف . فطريقة السلف : الامتناع عن التأويل ، مع الاعتقاد بحقية المراد الإلهي ، والتسليم بمراد الشارع منه ، ودليلهم قول اللّه سبحانه :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
[ آل عمران : 3 / 7 ] ، وذلك على تحتم الوقف بعد لفظ الجلالة ، فتكون معرفة تأويله مقصورة على المولى سبحانه ، لا يقدر أن يحيط بها من خلقه أحد ، فالحكم الأصولي عندهم هو التوقف عن التأويل ، مع اعتقاد أن قول اللّه حق ، وتفويض علم ذلك إلى اللّه تعالى بدون بحث في تأويله . وطريقة الخلف : تأويل المتشابه بما يوافق اللغة ، ويلائم تنزيه اللّه سبحانه عما لا يليق به ،
هامش
( 1 ) أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 1 / 343 ، وإنما يصح هذا الاستقراء وفق تقسيم الحنفية حيث ميّزوا بين ما يمكن دركه وما لا يمكن من النصوص غير الواضحة الدلالة . وقد اطّلعت على رسالة ماجستير نوقشت في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية عام 1415 ه بعنوان الحقيقة والمجاز في فهم المحكم والمتشابه للباحث إبراهيم أحمد عباس مهنا ، أورد فيها حكما فقهيّا جزم أنه من باب المتشابه ، وهو قوله سبحانه :وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، وعادة الأصوليين من الحنفية أن يدرجوا هذه المسألة في باب المشكل لأنه لفظ مشترك ، وإنما يميّز بين المشكل والمتشابه ، أن المتشابه لا سبيل إلى تجلية خفائه ، أما المشترك فإن خفاءه يرتفع بالقرائن ، وقد جزم الباحث بأن من المتشابه ما يمكن معرفة معناه ، ص 81 ، ولم ينقل ذلك عن أحد سبقه ، وهو اختيار من لم يأخذ بتصنيف الحنفية . وهكذا فإن تصنيف الحنفية غير واضح الدلالة من النصوص حلّ هذا الإشكال ؛ إذ جعلوا غير واضح الدلالة واحدا من أربعة : الخفي ، والمشكل ، والمجمل ، والمتشابه . انظر كشف الأسرار للبزدوي 1 / 52 .