تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
فعلى سبيل المثال : نزول اللّه سبحانه إلى سماء الدنيا متشابه ، لإيهامه التّحول في الذّات العليّة ، ووصفه باليد والعين والاستواء متشابه لإيهامه مشابهة الحوادث ، وتقرير أنه في السماء متشابه لأنه يتعارض مع كونه بكل شيء محيط ، وهكذا . . . ولا يخفى أن منشأ تخالف الطريقتين ؛ إنما هو الاضطراب في تحديد الوقف في الآية ، فقد اختار السلف الوقف عند لفظ الجلالة كما بيّنّا ، واختار الخلف عدم الوقف ، واعتبار الواو عاطفة ، على أساس أن اللّه سبحانه علم الراسخين في العلم أمر تأويله ، فهم به عارفون « 1 » . وقد نقل هذا القول عن الصحابي الجليل ابن عباس ، كما في الطبري أن ابن عباس كان يقول : أنا من الراسخين في العلم ، وأنا أعلم تأويله « 2 » . ولكن نقل الطبري نفسه عن ابن عباس أيضا أنه قرأ : ( وما يعلم تأويله إلّا اللّه ويقول الرّاسخون في العلم آمنّا به ) « 3 » ، فتكون قراءته بذلك بمثابة الجزم بأن علم المتشابه محصور في المولى سبحانه ، وعلى العباد التّسليم ، واللّه أعلم . وقد اختار صاحب كتاب ( أصول الفقه الإسلامي ) مذهب السلف ، والقول بالتسليم والتّفويض للّه بمراده ، وأشار إلى أنه لا يترتب على هذا الخلاف نتيجة عملية ، ولا صلة لهذا البحث بالأحكام الشرعية « 4 » . ونشير هنا إلى أن التّفويض غنية المؤمن ، وفيه سلامة اعتقاده ، وتمام أدبه مع اللّه عزّ وجلّ ، ولكن إذا عرضت للمرء الشّبهات ، أو قصد بيان العقيدة الإسلامية لأهل الشكوك ، فإنه لا مندوحة من التأويل الدافع لإيهام التناقض ، ويكون المؤول حينئذ يدفع الفتنة لا يبتغيها ، فلا يكون مشمولا بقوله سبحانه :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
[ آل عمران : 3 / 7 ] .
هامش
( 1 ) كشف الأسرار للبزدوي 1 / 55 وما بعدها . وانظر أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 1 / 343 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 204 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 202 ، وروى مثل ذلك عن أبيّ بن كعب ، وطاوس بن كيسان . ( 4 ) أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 2 / 343 .