لولاها لم يكن بحيث هو كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين ، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة ، وتأليفها ثم إلى تأليف هذا النظم ، فمن هنا تعلق بعضه على بعض ، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت » . « 1 »
والقرآن باعتباره رسالة إلى العالم ، ويحمل برنامجا إلهيا متكاملا إلى الناس ، فيه كل ما يحتاجونه إلى يوم يبعثون ، فلا بد أن تكون هناك لغة معبرة كي تتسع هذه المفاهيم والرؤى القرآنية .
وقد امتاز القرآن في مفرداته وتراكيبه بإيصال المعنى إلى ذهن الإنسان بأقل قدر من التفكير ، وبدون جهد وعناء ، وبتصوير فني ، وحس مرهف ، وبإيجاز ، وحذف للزوائد والفضول ، والاستعارات بمعاني كبيرة وكثيرة وألفاظ قليلة .
فإليك أمثلة على ذلك :
فمن آياته سبحانه وتعالى في وصف خمر أهل الجنة قوله تعالى :
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
« 2 » أي لا يحصل لهم منها صداع ولا ذهاب عقل كلمتان فقط جمعتا كل عيوب وسلبيات خمر أهل الدنيا .
وقوله تعالى في ذكر فاكهة أهل الجنة :
لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
« 3 » كلمتان أيضا جمعتا كل المواصفات وحملت معها كل المعاني دون إطناب أو تطويل ويعني أنها لا مقطوعة في زمن معين ولا ممنوعة بثمن .
هامش
( 1 ) تاريخ العرب ( ج 2 ) ص 62
( 2 ) سورة الواقعة آية 19
( 3 ) سورة الواقعة آية 33