الفصل الخامس آيات الأحكام في القرآن
انتقل الكاتب إلى موضوع آخر حساس من موضوعات القرآن ، هو آيات الأوامر والنواهي ، وآيات الأخلاق والسلوك ؛ وهذا الموضوع يمثل مع الآيات الخاصة بالاعتقاد مجموعة من التكاليف والتعاليم الخلقية والقيمية متميزة تتوزعها الآيات القرآنية كالأمر بالإيمان وبإقامة الصلاة وأداء الزكاة والصيام والحج ، وباقي الفروض الدينية التي تعاقب نزولها في تاريخ الدعوة ؛ ومن وجهة نظر ويلش ، فإن هذه الوصايا والتعاليم الخلقية لا تمثل نظاما خلقيا متكاملا في كل شئ يحتوى على ما يهم المجتمع ويعالج قضاياه كلها ؛ وهذا فهم قاصر لحرف القرآن وروحه معا ؛ وذلك لأن القرآن هو مصدر المسلمين علومهم وسلوكهم ، دنيا ودين ، وأنه جامع لكل محاسن الأخلاق وفضائل الأعمال ، وأن الفروض الدينية في الإسلام لا تنفصل أبدا عن المبادئ الخلقية والأعمال السلوكية ، إذ أن كل فرض يأمرنا اللّه بأدائه إنما يحمل قيمة خلقية وتربوية واجتماعية سامية لا بد من ظهور أثرها على العابد وعلى أهله ومجتمعه وإلا لما كان لعبادته معنى أي معنى .
إذا تبين هذا عرفنا أن التكاليف الشرعية والتعاليم الخلقية مما يحتوى عليه القرآن لها نظامها الخاص الذي يتبع نظام القرآن العام ويتسق معه تماما ، وليس من المستساغ إذن أن يزعم المستشرق ويلش بأن التكاليف الشرعية والتعاليم الخلقية لا يجمعها نظام ولا يشدها رباط واحد ، وأنها لا تمثل في نفسها نظاما متكاملا ، فعلى العكس من ذلك تماما فإن آيات القرآن كلها يتصل بعضها ببعض ، وآيات الأخلاق والسلوك في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى ولنكتفى هنا في إعطاء بعض الأمثلة يقول تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) ( الصف : 2 - 3 ) ، فيها نهي عن النفاق والرياء ، وقوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
( المائدة : 8 ) فيها إلزام المرء نفسه بالعدل حتى تجاه من يكرهه ولا يحبه . إن آيات الأخلاق والسلوك في القرآن أكثر من أن تحصى وأوسع من أن تستقصى ويكفينا منها ما يضيء الطريق للتعرف على غيرها :
ادْفَعْ بِالَّتِي