تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
يستمر المستشرق ويلش في استعراضه لأمثال القرآن أو قصصه ، فيشير إلى ما جاء عن النبيين يحيى وعيسى عليهما السلام ، وبخاصة قصة الميلاد والبشارة وكلام جبريل عليه السلام ، ما يلفت النظر إلى أن هذه المشابهة تتجلى بين حكاية القرآن وحكاية إنجيل لوقا بوجه خاص ، وقد أثبتنا في بحث آخر لنا بشرية المسيح عليه السلام ، من خلال الألفاظ والعبارات المتشابهة بين القرآن وإنجيل لوقا ، وليس من غرضنا هنا الدخول في هذه التفاصيل ، ولكننا نقول إن الكاتب الذي لم يستطع لا هو ولا أحد من المستشرق أن يثبتوا أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد تلقى شيئا من كتبهم ، أو أن كتبهم هذه كانت قد ترجمت إلى العربية حتى بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم . وتمشيا مع خطه المعوج ، يزعم المستشرق أن نقاط الخلاف بين القرآن وكتب النصارى تتضمن أدلة على تطور الأفكار في القرآن ؛ كيف يصح ذلك مع أن العبارات التي يشير إليها ويلش هنا خرساء لا تعبر عن هذا تماما ، وكل الأدلة التي أهمل ذكرها تأخذ بخناقه وتكذبه . إن التطور في أي عمل أدبى يأتي على مراحل ولا بد ، هذه المراحل يجب أن تكون محددة ومعلومة ، فأين يا ترى هذه الأدلة التي تبرهن على وجود هذه المراحل التي مرت بها قصتي يوحنا والمسيح في القرآن ؟ وكيف ينفرد الكاتب بهذه المعلومات الخطيرة التي لم تصل إلى علم أحد من العالمين بالقرآن ولا خطرت على قلب خصم آخر معاند للكتاب العزيز . هذا على أن القرآن لا يحتوى على أفكار متطورة ، ولكنه يحتوى على مبادئ وتعاليم إلهية ثابتة . وأما ما وجد في القرآن مشابها من قريب أو من بعيد لما يسمونه بإنجيل الصبوة أو الأناجيل الشفهية غير المعتمدة من الكنيسة ، فليس يصلح أن يكون حجة لهم ؛ بل هو في حقيقة الأمر حجة عليهم ، فإذا كانوا لم يستطيعوا أن يثبتوا أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم اطلع على كتبهم القانونية المعتمدة فكيف يمكنهم أن يثبتوا أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد طالع هذه الكتب التي كانت مطاردة منهم ومجهولة من العامة والخاصة من بينهم ؟ ونسألهم في إطار هذه القرينة لم لا تكون مثل هذه الأناجيل هي الأقرب إلى إنجيل المسيح من الأناجيل التي بين أيديكم ؟ وعلى أي أساس يا ترى كان رفضكم لها ؟ إن ما فيها مما يوافق القرآن هو بلا شك أثر من آثار الوحي السابق الذي جاء به المسيح عليه السلام وأبقاه اللّه تعالى ليكون حجة للمسلمين عليهم ، فموضوعات كخدمة مريم في المعبد وطريقة تربيتها كما جاءت في القرآن حق لا مرية فيه وكلام المسيح في المهد إخبارا بوحي لا شك في ذلك ، وهو غير موجود عندكم وهل تنكرون أن كلاما كثيرا مما قاله المسيح قد فقد وضاع ، وأن الأناجيل الحالية لم تحتفظ من أقواله عليه السلام إلا باليسير ، وأن ما أضيف إليها واختلط بها كثير ، وأن الاختلافات والتناقضات حتى في سلسلة نسب المسيح تحتم عليكم قبول ما قلناه ، وهو ما انتهت إليه دراسات نقاد الكتاب المقدس في الغرب ؛ ناهيك عن الإشارة إلى سقوط سلسلة النسب المزعومة هذه من بعض الأناجيل .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 331 | محمد محمد أبو ليلة