وذكر الزمخشري في الكشاف القديم أن الفواصل لا تكون جميلة لمجرد الإتقان اللفظي في أواخر الكلمات ، لكنها تكون كذلك ببقاء المعاني على سردها ، حسب المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه ، أما إذا أهملت المعاني وانصب الاهتمام على الألفاظ فقط فلا يكون ذلك من ضروب البلاغة في شئ « 1 » .
ولذلك يقول الزمخشري إن تغيير نسق الكلام لا يكون لمراعاة السجعة ؛ وإنما يكون التغيير لها ولشيء غيرها يصاحبها ، وقد يكون الأخير هو المراد لذاته وهو ما ذكره أيضا ابن الصائغ ، الذي يقول : " إن التقديم في
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
( 4 ) ( البقرة : 4 ) ليس لمجرد الفاصلة بل لرعاية الاختصاص " « 2 » .
ونلاحظ أن الفواصل قد تبنى على الوقف مع عدم إعمال عوامل الإعراب وهو ما أشرنا إليه من قبل ، ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس كما في قوله :
إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ
( 11 ) ( الصافات : 11 ) مع قوله قبلها :
دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
( 9 ) ،
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
( 10 ) .
ومن أنواع السجع ، وهو كثير في القرآن ، ختم الفواصل بحروف المد واللين في إلحاق النون ؛ قال سيبويه وحكمة ذلك ، وجود التمكن من التطريب عند قراءة القرآن ؛ والتطريب عند قراءة القرآن أعون على حفظه والتأثر به . وإن الممعن في قراءة المشايخ من أصحاب الأصوات الحسنة يحس وكأن اللّه تعالى ، قد وضع شيئا من إعجاز القرآن في أصواتهم ، فهم يستولون به على الألباب بمجرد قراءتهم ؛ ويمكن أن نسمى هذا بالإعجاز الصوتي أو النغمي للقرآن الكريم ؛ وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن الكريم من غيره ربما لهذا السبب ؛ كما أثنى صلى اللّه عليه وسلم على الصحابة الذين مهروا بقراءة القرآن الكريم وجودوا في أدائه ، وزينوه تطريبا وتثويبا ( أي طربوا ورجعوا فيه ) « 3 » .
وحروف الفواصل إما متماثلة كما في قوله :
وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 ) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
( 6 ) ( الطور : 1 : 6 ) .
هامش
( 1 ) الإتقان 1 / 314 .
( 2 ) المصدر نفسه 1 / 314 .
( 3 ) انظر بحثنا عن القرآن الكريم بجريدة " المسلمون " الدولية الصادرة في لندن عام 1986 صفحة الدراسة .