تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وأما السجع فمعناه عند أهل اللغة " موالاة الكلام على حد واحد " « 1 » وقال ابن دريد : سجعت الحمامة أي ردّدت صوتها وانشد .
طربت فأبكتك الحمام السواجع * تميل بها صحوا غصون نوائع
ومعنى " نوائع " موائل « 2 » . اعترض القاضي أبو بكر الباقلاني على القائلين بالسجع في القرآن محتجا عليهم بأنه لو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلام العرب ولو كان مثلها ومعدودا فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقال القرآن سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا هو شعر معجز ، كيف والسجع كان من صناعة الكهان وقد نفاه اللّه تعالى هو والشعر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن القرآن ، وقد رده النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يستحسنه من القوم إذ قال : " أسجع كسجع الجاهلية " أو " أسجاعة كسجاعة الجاهلية " في رواية أخرى . يقول الباقلاني " إن الذي يعتبره هؤلاء سجعا ليس بسجع . وإنما هو شئ على مثاله ، لأن السجع من الكلام يكون فيه المعنى تابعا للفظ الذي يؤدى السجع ، والقرآن ليس كذلك لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى " « 3 » . ويضيف الباقلاني إنه لو كان الذي في القرآن سجعا لكان مذموما مرذولا لأن السجع له منهج مرتب محفوظ وطريق مضبوط إذا أخل به المتحدث اختل كلامه واعتل حديثه ، وجانب الفصاحة ، ويكون حينئذ خروج عن قاعدة السجع كخروج الشعر على حكم الوزن والقافية . والمراجع لما يعتبر سجعا في القرآن من وجهة نظر القاضي يجده كلاما متقارب الفواصل ، متقارب المقاطع ، بعضها يمتد حتى يتضاعف طوله إلى درجة تجعل الفاصلة موافقة للوزن الأول بعد كلام طويل وهذا غير مقبول عند السجاعين ، ولا هو محمود منهم . ثم يرد القاضي على المعارضين استشهادهم بأن القرآن يقدم موسى على هارون في موضع ويقدم الثاني على الأول في موضع آخر مراعاة للسجع وتساوى مقاطع
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 292 ، 293 والتاج 5 / 375 والجمهرة 2 / 93 والباقلاني إعجاز القرآن 83 . ( 2 ) السيوطي الإتقان 1 / 293 . ( 3 ) الباقلاني إعجاز القرآن 83 ، 84 .