فأصوات الحلق ، وبشكل أكيد الهمزة والهاء والعين والحاء ، تخرج من نقطة أعمق من تلك النقطة التي يمكن أن يتخذ فيها النفس مجراه عبر الخيشوم ، وهو ما يحصل عند نطق النون ، ومن ثم لا يمكن أن تنطق الأصوات الأربعة مع الغنة ، لأنها تتشكل قبل أن يصل النفس منطقة اللهاة التي تفتح مجرى النفس إلى الخيشوم لإنتاج صوت الغنة ، وقد يمكن سد مجرى النفس نهائيا من الفم وفتحه عبر الخيشوم ( الأنف ) في أثناء نطق تلك الأصوات ويكون الصوت الحاصل حينئذ صوتا سمجا لا وجود له في أصوات اللغة .
ومن هنا يعد قول ابن مجاهد صحيحا ، إذ لا يمكن أن تتأثر النون بأصوات الحلق الأربعة : الهمزة ، مع الحرص على عدم تسهيلها ، والهاء والحاء والعين . فتخرج النون الساكنة قبلها بينة مظهرة من غير تعمل ، إذ لا يخشى عندها من الإدغام أو الإخفاء .
أما الخاء والغين فإنهما أقرب حروف الحلق إلى اللسان ( الفم ) ، ويترجّح لديّ أنهما يخرجان من نقطة تقع بعد النقطة التي يمكن أن يتخذ فيها النفس مجراه عبر الأنف ، ومن ثم يمكن أن تتأثر النون بمجاورتهما إذا لم يتعمل بإخراجها من مخرجها ، فتخفى عندهما كما تخفى عند القاف ، وسوف نوضح معنى الإخفاء بعد قليل إن شاء اللّه تعالى .
فإذا صح هذا التفسير لقول ابن مجاهد فإن ذلك يدل على إدراك علماء التجويد للصفات الدقيقة للأصوات ، ويكون ابن مجاهد بذلك قد سبق إلى تقرير حقيقة لم تدر في خلد علماء الأصوات المحدثين الذين درسوا أصوات اللغة العربية .
وذهب بعض علماء التجويد إلى أن الغنة ساقطة من النون والتنوين إذا أظهرا قبل حروف الحلق ، قال ابن الجزري : « قد ذكر بعض القراء في كتبهم أن الغنة باقية فيهما . وذكر شيخ الداني ( ت 444 ه ) ، فارس بن أحمد ( ت 401 ه ) ، في مصنف له أن الغنة ساقطة منهما إذا أظهرا ، وهو مذهب النحاة وبه صرحوا في كتبهم » « 1 » .
وعلّق علي القاري على قول ابن الجزري السابق بما نصه : « أقول يمكن أن يكون النزاع لفظيا ، لأن من قال ببقائها أراد في الجملة لعدم انفكاك أصل الغنة عن النون . ومن قال بسقوطها أراد عدم ظهورها » « 2 » . وعقب المرعشي على ذلك بقوله : « أقول : فظهر أن غنّتهما حينئذ كغنتهما متحركتين » « 3 » .
هامش
( 1 ) التمهيد ص 52 .
( 2 ) المنح الفكرية ص 42 .
( 3 ) جهد المقل 28 ظ .