الفصل الثالث حدوده في التأويل
أشرنا في التفريق بين التفسير والتأويل إلى أن التأويل يشبه أن يكون دائما صرفا للّفظ عن الحقيقة إلى المجاز ، كما عبر الإمام الغزالي رحمه اللّه ، وانتهينا من الفصل السابق ببيان رأي الحاكم أن الأصل في التفسير هو وجوب الحمل على الحقيقة إلا إذا تعذرت فيصار حينئذ إلى المجاز ، وتعذّر الحقيقة والظاهر عند الحاكم مرتبط بنظرته إلى المعارف « الاكتسابية » ، ما يعلم منها بأدلة العقل ، وما يعلم منها من جهة الشرع ، لأنه قد بنى على هذه النظرة رأيه في الآيات التي يدخلها التأويل ، وما حكم به على بعض التأويلات بالصحة أو الفساد . ولا بد أولا من الوقوف على نظرته هذه إلى المعارف .
أولا : أقسام المعارف
المعارف عند الحاكم على ثلاثة أضرب : ضرب يعلم بأدلة العقل ولا يعلم من جهة الشرع . وضرب يعلم من جهة الشرع ولا يعلم بأدلة العقل - وضرب يصح أن يعلم بكل منهما .