وأما النسخ في الاصطلاح : فهو دفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر .
واعلم أن الحجج الشرعية لا يقع التعارض بينها حقيقة لأن ذلك من أمارات الجهل والعجز ، فإن من أثبت حكما بدليل عارضه دليل آخر يوجب خلافه كان ذلك لعجزه عن إقامة دليل سالم عن المعارضة ، والعجز عن ذلك بناء على الجهل بالطريق المستقيم السالم عن المعارضة ، والحكيم العليم الذي لا يعزب عن علمه شئ ، تعالى عن أن يوصف بالجهل ، فإذا لا يقع التعارض والتناقض بينهما إلا بالنسبة إلينا لجهلنا بالتاريخ .
ثم إذا وقع التعارض بين الآيتين بالنسبة إلينا فلا يخلو من أن يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه غير وجه النسخ ، أو لا يمكن الجمع ، فالأول - وهو التعارض الذي يمكن فيه الجمع بينهما بوجه من الوجوه غير وجه النسخ - مخلصه عنه ثلاثة أوجه :
الأول : من جهة الدليل ؛ بأن لا يعتدلا في القوة فاندفع توهم التعارض بين المتشابه وبين المحكم لعدم استوائهما في القوة .
الثاني : من قبل الحكم ؛ بأن لا يجتمع حكماهما في محل واحد فاندفع توهم التعارض بين الآية التي في سورة البقرة وبين الآية التي في سورة المائدة ، فإن الغموس فيها مؤاخذة بمقتضى آية سورة البقرة ، وليست فيها مؤاخذة بموجب آية سورة المائدة ؛ وذلك أن بين قوله تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
« 1 » في سورة البقرة ، وبين قوله تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
« 2 » في سورة المائدة تعارضا بحسب الظاهر ؛ فإن الآية الأولى تقتضى
هامش
( 1 ) الآية : 225 .
( 2 ) الآية : 89 .