إذ كل أحد يعلم بدونها أن كل محكم منه كذلك كعلمه بأن النار حارة ؛ لأن ذلك القول قول على سبيل المكابرة بلا برهان عليه ، على أنّا نقول : شرط القاعدة أن تكون كلية مشتملة على أحكام ما تحت موضوعها لا أن تكون مفيدة فائدة جديدة ، ولا أن تكون كسبية على ما مرت إليه الإشارة عند تمام تقرير الأدلة عليها ، ألا ترى أن القوم يقولون : إن الشكل الأول بيّن لا يحتاج في انتاجه إلى الاستدلال بخلاف سائر الأشكال .
الرابع : أن المراد من حيث هو مراد غيب كالإرادة فلا يطلع عليه لا سيّما إذا كان مراد اللّه تعالى ، فكيف يقال إن المحكم منه يدل عليه ؟
قلت : نعم ، لكن الغيب نوعان : نوع لا يطّلع عليه كالمغيبات الخمس ، لا يعلمها إلا اللّه ، ونوع يطّلع عليه بنص الدليل الدّال عليه نحو ذات الباري عزّ وجلّ وصفاته ، والمصنوع دليل عليها ، ولهذا أمر بالنظر بقوله :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، « 1 » وهاهنا الأمر كذلك فإن القرآن لما أنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم وفسّر المحكم وبيّن الأحكام فقد دلّ على ما أريد منه قطعا كما ترى .
الخامس : أن اللفظ الموضوع لمعنى يدل عليه عند الاستعمال سواء كان ذلك المعنى مراد المتكلم أو لا ، كما تقرر عند القوم أن الدلالة تابعة للعلم بالوضع لا تابعة لإرادة المتكلم ، فلا يلزم دلالته على المراد فضلا عن أن يدل عليه قطعا .
قلت : يلزم ، لأن الدلالة هاهنا تابعة للإرادة قطعا وإن لم تكن تابعة للإرادة في مطلق الدلالة ، قال اللّه تعالى :
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَما هُوَ بِالْهَزْلِ
« 2 » قال أهل التفسير في ذلك : إن القرآن لقول فاصل بين الحق والباطل وجدّ كله .
هامش
( 1 ) سورة يونس : 101 .
( 2 ) سورة الطارق : 13 ، 14 .