وهكذا الأمر في قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
وفي قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 1 » ، وفي قوله تعالى :
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
« 2 » ، وفي نحو قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
« 3 » ، ونحو ذلك من الآيات ؛ ألا ترى أن قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 4 » كيف قدر التوحيد في صورة القياس الاستثنائي مصرحا بالشرطية مشيرا إلى الاستثنائية ، وأن قوله تعالى حكاية :
فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
« 5 » كيف أشار إلى نفى الربوبية عن القمر إشارة لطيفة كأنه قيل : القمر آفل وربّى ليس بآفل ، فالقمر ليس بربى .
قال بعض أهل التفسير : ما من برهان وتقسيم وتحديد ينبئ عن كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا والقرآن قد نطق به لكن أورده اللّه تعالى على عادة العرب دون دقائق الحكماء والمتكلمين لأمرين :
أحدهما : بسبب ما قاله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 6 » .
والثاني : أن السالك إلى دقائق الحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلىّ من الكلام ؛ فإنّ من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهم الأكثرين لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون إذا كان غرضه بيان الحق وإظهار الصواب ؛ فاللّه تعالى أخرج مخاطباته في محاجّة خلقه في أجلى صورة تشتمل على أدق دقيق ليفهم العامة من جليّها ما ينفعهم وتلزمهم الحجة ، ويفهم
هامش
( 1 ) سورة النساء : 87 .
( 2 ) سورة المائدة : 45 .
( 3 ) سورة الكهف : 107 ، 108 .
( 4 ) سورة الأنبياء : 22 .
( 5 ) سورة الأنعام : 76 .
( 6 ) سورة إبراهيم : 3 .