ثم إن التواتر شرط في نقل القرآن إلينا ، وهو متعلق بنظم القرآن فلا يضره تحقق إجمال أو إبهام فيه من جهة معناه .
فإن قلت : ما السرّ في وجوب نقل القرآن إلينا على سبيل التواتر بخلاف نقل الحديث مع أن كليهما وحى ، قال اللّه تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 1 » غاية ما في الباب أن القرآن وحى متلو والحديث وحى غير متلو ؟
قلت : أولا : السرّ فيه أن نظم القرآن معجز باق على وجه كل زمان دائر على كل لسان في كل مكان ، فاقتضى ذلك أن يختص نقله إلينا بطريق التواتر حسما لمادة شبهة الوهم والارتياب ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
« 2 » ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 3 » ولتكون معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم تبقى على وجه العيان يشار إليها بالبنان ، وليكون برهانا على حقية خير الأديان ، وتبيانا لبقاء هذه الأمة المشرّفة إلى آخر الزمان ، بخلاف متن الحديث فإنه ليس كذلك ، قال اللّه تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 4 » .
وثانيا : أن نظم القرآن نصب عين الجنان وورد اللسان في كل زمان ؛ فيكون العناية به أتم ، والاهتمام به أهم .
وثالثا : أن النقل بالمعنى لا يجوز فيه ؛ محافظة على إبقاء إعجاز نظمه
هامش
( 1 ) سورة النجم : 3 ، 4 .
( 2 ) سورة البقرة : 104 .
( 3 ) أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع 2518 ، النسائي في الأشربة 5711 ، أبو داود في اللباس 4080 ، أحمد في المسند 27819 ، الدارمي في البيوع 2532 .
( 4 ) سورة الحجر : 9 .