التفسير والتأويل
بديهي أن لكل خطاب غاية ، وإذا انعدمت الغايات أصبحت الأفعال عبثا ، ولونا من ألوان اللهو غير المبرر ، والخطاب يبغي غاية من مخاطبه وهي غاية الإفهام والبيان كي يغرس في المخاطبين مفهوما ، وينتزع منهم آخر . . . قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 1 » ، . . وعلة الإرسال بلسان القوم كي يبلغ القوم الفهم المراد من الخطاب .
وعلى ذلك فإن المعجزات التي أيّد اللّه تعالى رسله كانت من جنس السائد من العلوم أو المعارف التي يمتلكها قومهم ، وإلّا لم تكن هذه المعجزات كافية لإثبات دعوى الرسالة لدى هؤلاء القوم المخاطبين . . . فكانت دعوة موسى مؤيّدة بمعجزة العصا التي أكلت ثعابين السحرة ، لتشكل خارقة قاطعة ، وبرهانا بيّنا لكل ذي بصيرة على صحة ادعائه النبوة ، وإحياء عيسى للموتى وإبرائه الأكمه والأبرص شكلت معجزات وبراهين قاطعة على صحة ادعائه الرسالة والنبوة في وسط اجتماعي تقدم فيه علم الطب . . .
تأسيسا على ذلك ، وانسجاما مع نهج الرسل السابقين ، كانت معجزة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلّم مناسبة لما كان سائدا في قومه من معارف ، إذ كانت اللغة بلغت مرتبة عالية من صحة البيان وبلاغة الأداء ، وفصاحة العبارة . . . فكان القرآن الكريم الكتاب المعجزة ، المنزل بلغة العرب وأساليبها التي تمكنوا منها أحسن التمكن . . . جاء القرآن متحديا لهم مخاطبا إياهم بلسانهم :
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 1 ) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 )
« 2 » يظهر من النص السابق أن القرآن نزل بلغة العرب كي يفهمه العرب ، وكي تقوم الحجة عليهم بعجزهم على أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور أو بسورة ، . . . وعندما
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : ( 4 ) .
( 2 ) سورة يوسف ، الآيتان : ( 1 ، 2 ) .