تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨

مرحلة البدايات ( المرحلة الفطرية ) :

يقول الكاتب : « لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير ، لا ترقى مداركي إلى آفاق معانيه ، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه ، . . لقد كان خيالي الساذج الصغير يجسم لي بعض الصور من خلال تعبير القرآن . وإنها لصور ساذجة ، ولكنها كانت تشوق نفسي وتلذّ حسي ، فأظلّ فترة غير قصيرة أتملاها ، وأنا بها فرح ، ولها نشيط » « 1 » . ويضرب الكاتب مثلا تبدو فيه صورة الخيال المرسوم في مخيلة الكاتب في مراحل طفولته الأولى عندما كان يقرأ قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
« 2 » . وعندما نشرع بدراسة تفسير الظلال كتفسير أدبي لأنها البارزة المميّزة له ، هذا لا يعني أن صاحب الظلال لم يبثّ فيها آراء فقهية ، ونتفا من علم الكلام ، وآراء عقيدية ، . . . غير أن البحث حول الظلال يركز على سمته البارزة الموسومة بالأدبيّة . . . يمكن أن تقول : إنّ صاحب الظلال كان صاحب نظرية التصوير الفني في القرآن ، وهذا اشتمل على عدة مناح وضّحها المؤلف ، مشكلة بمجموعها نظرية التصوير الفني ويمكن إيجاز نظرية المؤلف في التصوير الفني أو إيجاز آفاق التصوير الفني وفق ما يلي :

1 - تصوير المعاني الذهنية :

من نافلة القول : إن القرآن لم ينقل حالة ذهنية لأجل الحالة الذهنية إنما نقل حالة ذهنية مستخدما التصوير لترتسم هذه الحالة على نحو مشخص ، وكأنها بدت محسوسة على حين أن الحالة الذهنية في الأصل حالة تجريد ، والحالة الذهنية في الأصل « لا تخاطب إلا الذهن المجرّد ، والمنطق العقلي ، وفي هذه الحال لا تتجاوز المنطقة الذهنية الباردة » « 3 » . أما طريقة القرآن البديعة فإنها تجعل من التصوير وسيلة لنقل المجرد إلى محسوس شاخص أمام المشاهد لتكون أكثر تأثيرا في النفس الإنسانية وبهذه الحال فإن التعبير القرآني التصويري « يخاطب الذهن والعقل والوعي والحس والوجدان المنفعل بالأصداء والأضواء ويكون الذهن منفذا واحدا من منافذها الكثيرة إلى النفس لا منفذها الوحيد » « 4 » .
هامش
( 1 ) التصوير الفني في القرآن . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 11 . ( 3 ) المصدر نفسه . ( 4 ) التصوير الفني في القرآن .