والحق :
1 - أن أحاديث الآحاد تفيد الظن عند الجمهرة الكبرى من العلماء . . ورد الأحاديث هذه لا يجوز إلّا بحال استحالت عملية التوفيق بين القرآن وهذه الأحاديث . والمعلوم أن الأحاديث الأصل فيها الإعمال .
2 - لا يعني أن الأحاديث الآحاد الصحيحة ظنية يجوز ردّها جزافا ، فأحاديث الأحاديث يجب التصديق بها لا الاعتقاد . . والفرق بين التصديق والاعتقاد هو أنّ :
التصديق : تغليب جانب الصدق على جانب الكذب . . . والاعتقاد : هو التصديق الجازم بمطابقة الواقع عن دليل . . والخلاصة أن أحاديث الآحاد لا تثبت ابتداء على وجه اليقين قضايا عقيدية . . إنما يؤخذ بأخبار الآحاد وعلى وجه اليقين بقضايا تفصيلية مثل :
الإيمان باليوم الآخر ( الجنة والنار ) لأن أصولها قرآنية . تفصيلاته : كصفات الحور العين ، أو وصف فواكه الجنة ، أو وصف شرر جهنم أو لون النار ، فإن أحاديث الآحاد كافية لإثبات هذه على وجه اليقين ليقينية الأصل الموجود بأدلة متواترة قاطعة ، وينسحب هذا الكلام على كل ما قاله محمد عبده ، ورشيد رضا في أحاديث الآحاد الصحيحة .
* * * وظني أن ما فعله محمد عبده ، ورشيد رضا في الموقف من المعجزات نابع من تأثر بالمنهج التجريبي الحسي الذي بدأ يبسط سلطانه على العقل العربي والإسلامي . . وكان بداية تعرض العقل العربي والإسلامي الذي بدأ يهتز ويتراجع أمام زحف الغرب العلمي والثقافي ، بقواه الهائلة . . وكان يقابله العقل المسلم المتراجع ، والعربي المتخلف المتصارع المتجزّئ ، فأراد عبده ورضا تحت ضغط الواقع الضعيف من جانب العرب والمسلمين ، وتحت ضغط الواقع القوي بسلاحه ، وبأفكاره ، وبمعارفه الشاملة أن يزيل أي حالة رفض للإسلام ، أو أي احتجاج ، . . فلا بد أمام هذا من تأويل ما يمكن تأويله ، ورد ما يمكن ردّه . . فآية انشقاق القمر متواترة فأولت « بقوة الحجة والبرهان النبوي » فأعطى المعجزة صفة برهانية عقلية ، وهذا ما يتسق مع المنهجية السائدة حينئذ .
أما حوارات الملائكة ، والسحر ، والشياطين - فمؤولة - وما ورد من أحاديث آحاد ، فمن السهل ردّها ، كما ردّت من قبل المعتزلة سابقا .
وبالمحصلة : فإن هذه المدرسة أسست للتفسير الاجتماعي الأدبي الذي قدم للدراسات القرآنية فوائد كثيرة ، وللمجتمع مادة نافعة بثوب جديد .
ورأينا أنها أخطأت في نقاط تمت الإشارة إليها في هذه العجالة .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 345
مساهمون: عبد القادر محمد صالح
ص٣٤٥