ومحمد عبده « باشر فعلا بتفسير القرآن على الطريقة التي بشّر بها الأفغاني » « 1 » .
وثالث الرجال « محمد رشيد رضا الذي قيّد ما كتبه محمد عبده ، ونشره في مجلة المنار ، ثم أكمله بعد وفاة محمد عبده » .
فإذا كان محمد عبده ورشيد رضا يرتبطان بالمنهج والعمل والرأي فلا بأس من القول : أن عبده ورضا أسهما إسهاما فعالا في تخليص التفسير من قيود الماضي الذي ملأ التفاسير بعلوم وبحوث أبعدت التفاسير عن المتناول لما فيه من وجوه إعراب كثيرة ، وبلاغة ، ومنطق وعلوم بدت بعيدة عن جعل القرآن مادة يتناولها الجميع .
فرشيد رضا ومحمد عبده قدما التفسير بثوب جديد ، وحلة بهية ، من روعة البيان ، وبساطة الأسلوب مما جعل تفسير القرآن علما جماهيريا ينشر بالجرائد والمجلات ، ولغة المجلات كما هو معلوم لغة الشعب بشرائحه الواسعة ، وليست لغة النخب الميالة إلى التكلف أو التأنق .
وبتفسيره هذا ربط المعاني القرآنية بالحياة الاجتماعية اليومية للناس ، بجعله وصفة نفسية تربوية لمعالجة كافة إشكالاتهم الحياتية . . عندما عالج مفهوم الصبر في سورة العصر مثلا - ولمعالجة مفهوم البرّ الصحيح في سورة الانفطار :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 )
.
وأرسى مفهوما جليلا للمفسرين من بعده : بعدم الخوض بتفصيلات من شأنها أن ترهق الطاقة العقلية للمسلمين بجدل لا فائدة منه ترجي ، ولا نفع منه يبتغي كرفضه الدخول في تفاصيل « الكرام الكاتبين » وأحوال أقلامهم ، ومواصفات أحبارهم ، وأشكال أوراقهم وغير ذلك .
* * * غير أن المرء يعجب كيف أنه خالف هذه الشروط ولو أحيانا قليلة . . عندما بدأ يخوض بتفصيلات ، وافتراضات كان منكرا على غيره لاتباعهم إياها . . عندما راح يتأمّل مفهوم الملائكة وإبليس « في سورة البقرة » .
وتأويله « الطير الأبابيل والحجارة من سجيل » بالجراثيم . . ( وظني أنه فعل ذلك كي يقرّب القرآن من الفهوم العلمية الحديثة المتأثرة بالمنهج الحسي التجريبي ) ، إلّا أنه اقترب بذلك من آراء بعض المستشرقين الذين ردّوا المعجزات وأنكروها وأوّلوها تأويلات علميّة .
أما ردّه لأحاديث الآحاد الصحيحة فقد أحيا ما كان ميتا من مطاحنات بين سنة واعتزال إذ رد المعتزلة الكثير من أحاديث الآحاد الصحيحة ، بحجة أن الآحاد لا تفيد اليقين .
هامش
( 1 ) محمد الفاضل ابن عاشور ، التفسير ورجاله ، ص ( 213 ) .