وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ »
يقول : ( قال بعضهم : هو الذي بسط الأرض وجعل فيها أوتادا من أوليائه وسادة من عبيدة فإليهم الملجأ ، وبهم النجاة ، فمن ضرب في الأرض يقصدهم فاز ونجا ، ومن كان بغيته لغيرهم خاب وخسر . سمعت علي بن سعيد يقول : سمعت أبا محمد الحريري يقول : كان في جوار الجنيد إنسان مصاب في خربة ، فلما مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة فلما رجعنا تقدم خطوات وعلا موضعا من الأرض عاليا ، فاستقبلني بوجهه وقال :
يا أبا محمد . . إني لراجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ، ثم أنشد شعرا
وما أسفى من فراق قوم * هم المصابيح ، والحصون
والمدن ، والمزن ، والرواسي * والخير ، والأمن ، والسكون
لم تتغير لنا الليالي * حتى توفتهم المنون
فكل جمر لنا قلوب * وكل ماء لنا عيون ) اه
« 1 » وفي سورة الحج عند قوله تعالى في الآية ( 63 )
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً »
يقول : ( قال بعضهم : أنزل مياه الرحمة من سحائب القربة ، وفتح إلى قلوب عباده عيونا من ماء الرحمة ، فانبتت فاخضرت بزينة المعرفة ، وأثمرت الإيمان ، وأينعت التوحيد . أضاءت بالمحية فهامت إلى سيدها ، واشتاقت إلى ربها فطارت بهمتها ، وأناخت بين يديه ، وعكفت فأقبلت عليه ، وانقطعت عن الأكوان أجمع ، ذاك آواها الحق إليه ، وفتح لها خزائن أنواره ، وأطلق لها الخيرة في بساتين الأنس ، ورياض الشوق والقدس ) « 2 » .
وفي سورة الرحمن عند قوله تعالى في الآية ( 11 )
« فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ »
يقول : ( قال جعفر : جعل الحق تعالى في قلوب أوليائه رياض أنسه ، فغرس فيها أشجار المعرفة ، أصولها ثابتة في أسرارهم ، وفروعها قائمة بالحضرة في المشهد ، فهم يجنون ثمار الأنس في كل أوان ، وهو قوله تعالى
هامش
( 1 ) ص 138
( 2 ) ص 212