رجل - متأخر نوعا - كان يقع له بين الحين والحين شيء من التوفيق في إدراك بعض مواضع الجمال الفني في القرآن ، - هو الزمخشري - وذلك كقوله في تفسير : « ولما سكت عن موسى الغضب » : كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له :
« قل لقومك كذا ، وألق الألواح ، وجر برأس أخيك إليك » .
وهو توفيق - كما ترى - محدود ، ينقصه التبلور والوضوح .
فإن أجمل ما في هذا التعبير هو « تشخيص » الغضب ، كأنه إنسان ، يقول ويسكت ، ويغري ويصمت ، فهذا « التشخيص » هو الذي جعل للتعبير جماله ، وهو الذي أدركه الزمخشري ، ثم لم يحكم التعبير عنه ، أو عبّر عنه بلغة زمانه فلا تثريب عليه . وكقوله في تفسير سورة الفاتحة : « إن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله : « الحمد للّه » الدال على اختصاصه بالحمد ، وأنه حقيق به ، وجد من نفسه لا محالة محركا للإقبال عليه . فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله :
« رب العالمين » الدال على أنه مالك للعالمين ، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته ، قوي ذلك المحرك . ثم إذا انتقل إلى قوله :
« الرحمن الرحيم » الدال على أنه منعم بأنواع النّعم جلائلها ودقائقها ، تضاعفت قوّة ذلك المحرّك . ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام ، وهي قوله :
« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء ، تناهت قوّته ، وأوجب الإقبال عليه ، وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
. . .
فهذا نوع من التوفيق في تصوير التناسق النفسي ، بين الأحاسيس