قناة الدين ركّب منه فيها * سنان يستحر به القراع
وهذه نفثة مصدور ومقالة موتور لأن الحق أن أهل خوارزم ليسوا ذئابا مكلحة ، وليسوا أراقم ، وليست فيهم تلك الخلاعة التي تجعل الصناج ينتفع بينهم بيديه ، وانما هم قوم محاربون جادون صقلتهم بوارق سيوف الجهاد وصهرتهم حرارة الحروب الضارية بينهم وبين أهل الشرك ، وأخلصوا في ذلك نياتهم وقد تكفل اللّه بنصرهم في عامة الأوقات ، وقد نبغ فيهم العلماء وأهل الفقه والصلاح .
ثم عاوده حنينه إلى مكة ولام نفسه أشد اللوم لأنها ابتاعت بالفوز الشقاوة ، واستبدلت الدنيا بالآخرة :
بكاء على أيام مكة إن بي * إليها حنين النّيب فاقدة البكر
تذكرت أيامى بها فكأنّنى * قد اختلفت زرق الأسنّة في صدري
أببت على الصخر المبارك باكيا
كما كانت الخنساء تبكى على صخر « 54 »
ويقول في أخرى :
أأبتاع بالفوز الشقاوة خاسرا * وأستبدل الدنيا الدنيّة بالأخرى
إذا خطرت بالبال ذكرى إناختى * على حرم للّه استفزّتني الذكرى
أكابد ليلا كالليالى وحسرة * ودمعا غزير المستقى غائر المجرى
وأدعو إلى السّلوان قلبا جوابه * لداعيه مهراق من المقلة العبري
وما عذر مطروح بمكّة رحله * على غير بؤس لا يجوع ولا يعرى
فما فرّ عنها يبتغى بدلا لها * وربّك لا عذرا وربك لا عذرا « 55 »
ولما رجع إلى مكة في هجرته الثانية واستقر به المقام فيها كتب
هامش
( 54 ) الديوان ورقة 68 ، 69 .
( 55 ) الديوان ورقة 41 .