بفناء بيت اللّه أضرب قبّتى * حتّى يحلّ بي الضريح القابر
ألقى العصا بين الحطيم وزمزم * لا يطبينى إخوة وعشائر
ضيف لمولى لا يخلّ بضيفه * ويبذل أقصى ما تمنّى الزائر
حسبي جوار اللّه حسبي وحده * عن كلّ مفخرة يعد الفاخر
سأقيم ثمّ وثمّ تدفن أعظمى * ولسوف يبعثني هناك الحاشر
يا ليت شعري والحوادث جمّة * والغيب فيه للحكيم سرائر
والعبد يحرص أن ينفّذ عزمه * ووراء عزم العبد حكم قاهر « 47 »
وتخلص في هذه القصيدة دوافع الهجرة للّه ، والرغبة في رضاه ، والتخلص من الأخطاء ، وهو هنا واعظ يعظ نفسه ، ويحثها على طلب الدين والتقى ، ويأسف على عمره الذي مضى والذي خربه بقلق وطموحه ، وليس في هذه القصيدة سخط ولا لوم لمن ينتقص حقه ويتجاهل فضله .
ويذكر أنه في مكة كان أسلم قلبا وأصح دينا ، وأكثر عبادة ، وأحسن خشوعا ، واعتبر هجرته إليها فرارا بدينه ، يقول في تفسير قوله تعالى :
« يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ »
« 48 » :
« معنى الآية أن المؤمن إذ لم يسهل له العبادة في بلد هو فيه ، ولم يتمش له أمر دينه كما يجب فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا ، وأصح دينا ، وأكثر عبادة ، وأحسن خشوعا . ولعمري ان البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير ، ولقد جربنا وجرب أولونا ، فلم نجد فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس ، وعصيان الشهوة ، وأجمع للقلب المتلفت ، وأضم للهم المنتشر وأحث على
هامش
( 47 ) ديوان الزمخشري ورقة 43 .
( 48 ) العنكبوت : 56