موازنا لقوله
« فَلَمَّا أَضاءَتْ »
لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة فلو قال : « ذهب اللّه بضوئهم » لكان المعنى يعطى ذهاب تلك الزيادة وبقاء ما يسمى نورا لأن الإضاءة هي فرط الإنارة قال تعالى :
« هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً »
« 61 » فكل ضوء نور وليس كل نور ضوءا ، فالغرض من قوله :
« ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ »
انما هو إزالة النور عنهم أصلا فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء » « 62 » .
ويقول الزمخشري في هذه الآية : « فان قلت : هلا قيل : ذهب اللّه بضوئهم لقوله : فلما أضاءت ؟ قلت : ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة . فلو قيل : ذهب اللّه بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا ، والغرض إزالة النور عنهم رأسا وطمسه أصلا ، ألا ترى كيف ذكر عقيبه :
« وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ »
« 63 » .
ويذكر ابن الأثير أن أسماء الأجناس التي يفرق بينها وبين واحدها بالتاء يكون استعمالها في الاثبات أبلغ من استعمال مفردها ، ويكون استعمال مفردها في النفي أبلغ من استعمالها .
ويذكر قوله تعالى :
« قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ »
« 64 » مثالا لهذا النوع ويقول في شرحه :
« فإنه انما قال :
« لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ »
ولم يقل : ليس بي ضلال كما قالوا ، لأن نفى الضلالة أبلغ من نفى الضلال عنه كما لو قيل : ألك تمر ؟ فقلت في الجواب : ما لي تمرة ، وذلك أنفى للتمر ، ولو قلت : ما لي تمر ، لما كان يؤدى ما أداه القول الأول » « 65 » .
وهذا مأخوذ من الكشاف .
يقول الزمخشري : « فان قلت : لم قال :
« لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ »
ولم يقل : ضلال ، كما قالوا ؟ قلت : الضلالة أخص من الضلال فكانت
هامش
( 61 ) يونس : 5
( 62 ) المثل السائر ج 2 ص 210
( 63 ) الكشاف ج 1 ص 56
( 64 ) الأعراف : 60 ، 61
( 65 ) المثل السائر ج 2 ص 211