ويدرس في القسم الثاني تقديم الجمل بعضها على بعض ، وقد يتناول فيه تقديم بعض المعمولات على بعض . وهو في هذا القسم الثاني يعتمد على الكشاف ويأخذ منه أخذا مباشرا . أما في القسم الأول فإنه يدعى فيه أنه يخالف علماء البيان ومنهم الزمخشري حيث جعلوا تقديم الخبر والمفعول والظرف لا يكون الا للاختصاص ، والذي يراه أنه قد يكون للاختصاص وقد يكون لنظم الكلام .
يقول ابن الأثير : « وقال علماء البيان ومنهم الزمخشري رحمه اللّه :
ان تقديم هذه الصورة المذكورة انما هو للاختصاص وليس كذلك » « 68 » .
ولم يكن ابن الأثير على حق حين زعم أن تقديم هذه الصور لا يكون عند الزمخشري الا للاختصاص . فقد بينا أنها تكون عنده للاختصاص غالبا . لذلك لم يكن هناك خلاف بينه وبين الزمخشري .
نعم ، ان كثيرا من الصور التي جعل الزمخشري التقديم فيها مفيدا للاختصاص جعلها ابن الأثير من باب مراعاة نظم الكلام . والاختصاص بيّن في هذه الصور ولا يستطيع ابن الأثير أن يدفعه ، ومن ذلك قوله تعالى :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
فقد ذكر أن التقديم فيه لمراعاة نظم الكلام . وإذا كان الزمخشري يذكر أن التقديم هنا للاختصاص فان ذلك لا ينفى أن يكون لمراعاة الحسن أيضا . ثم إن ابن الأثير يعتمد على الزمخشري في هذا القسم الذي يدعى فيه أنه يخالفه وان كان ما أخذه منه ليس متصلا بمسألة الاختصاص التي وقع فيها الخلاف .
يقول ابن الأثير : « ومما ورد منه - أي من تقديم خبر المبتدأ عليه - قوله تعالى :
« وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ »
« 69 » فإنه انما قال ذلك ولم يقل : وظنوا أن حصونهم تمنعهم ، أو مانعتهم ، لأن في تقديم الخبر الذي هو
« مانِعَتُهُمْ »
على المبتدأ الذي هو
« حُصُونُهُمْ »
دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما ل « ان » واسناد الجملة اليه دليل على تقريرهم في
هامش
( 68 ) المثل السائر ج 2 ص 218
( 69 ) الحشر : 2