ويقول ابن الأثير : « ومما جاء من التفسير بعد الابهام قوله تعالى :
« وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ . يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها »
« 51 » . ألا ترى كيف قال :
« أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ »
فأبهم سبيل الرشاد ولم يبين أي سبيل هو ، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا وتصغير شأنها ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها ثم ثلث بذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منها ليثبط عما يتلف ، وينشط لما يزلف ، كأنه قال : سبيل الرشاد وهو الاعراض عن الدنيا والرغبة في الآخرة والامتناع عن الأعمال السيئة خوف المقابلة عليها ، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة رجاء المجازاة عليها » « 52 » .
ويقول الزمخشري في هذه الآية : قال :
« أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ »
فأجمل ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها ، لأن الاخلاد إليها هو أصل الشر كله ، ومنه يتشعب جميع ما يؤدى إلى سخط اللّه ويجلب الشقاوة في العاقبة ، وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها وأنها هي الوطن والمستقر ، وذكر الأعمال سيئها وحسنها ، وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف ، ثم وازن بين الدعوتين دعوته إلى دين اللّه الذي ثمرته النجاة ، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد ، الذي عاقبته النار ، وحذر ، وأنذر ، واجتهد في ذلك واحتشد » « 53 » .
وقد ذكر ابن الأثير من شواهد هذا النوع قوله تعالى :
« وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ »
« 54 » ، وقوله تعالى :
« وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ . أَسْبابَ السَّماواتِ »
« 55 » ، وذكر في الابهام بدون تفسير قوله تعالى :
« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي
هامش
( 51 ) غافر : 38 - 40
( 52 ) المثل السائر ج 2 ص 204
( 53 ) الكشاف ج 4 ص 131
( 54 ) البقرة : 127
( 55 ) غافر : 36 ، 37