وظاهر لنا أن ما أخذه من الزمخشري لم يكن مشهورا عند غيره ، وان كان معروفا في مسائل العلم وأصوله ، ولكنه على كل حال لم تذكر فيه النصوص وتحلل تحليلا بلاغيا دقيقا كما تذكر وتحلل في كتاب الكشاف ، وأن ما أغفل فيه حديث الزمخشري كان مشهورا عند غيره .
نعم ان للزمخشري كلاما في تحليل صور البيان لم يصل اليه أحد قبله ، وله في ميزان الدراسة البلاغية المتذوقة وزن راجح ، وقد أغفله ابن الأثير ، وذلك راجع في نظري إلى أن أكثر دوافع التحليل والبحث لمثل هذه الصور يكمن في محاولة التنزيه وتأويل النصوص المشتبهة ، وهذه قضية ابتعد عنها ابن الأثير فلم يكن في حاجة إلى ذكر نصوصها وتحليلاتها .
ودونك بعضا من هذه المباحث التي أفادها من الكشاف :
الالتفات :
يقول ابن الأثير في القيمة البلاغية للالتفات : « وهذا النوع وما يليه هو خلاصة علم البيان التي حولها يدندن ، وإليها تستند البلاغة ، وعنها يعنعن » .
ويزعم أن الالتفات فن تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات « 2 » .
ثم يحاول ابن الأثير أن يجد علة وسرا لهذا الحسن الكامن في هذه الطريقة ، ويرفض في هذا كلام البلاغيين حيث يقولون : انه من عادة العرب وافتنانهم في كلامهم ، ويسمى مثل هذا التعليل بعكاز الأعمى ، وهو على حق ، فان بيان أسرار البلاغة لا يكتفى فيها بهذا القول إذ أننا محتاجون دائما إلى معرفة السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله حتى صار من عادتهم .
هامش
( 2 ) ينظر المثل السائر ج 2 ص 170