ولكنه قال : ان الالتفات مما تستعمله العرب ، ووجه استعمالها له أنه يحصل فيه نوع تنبيه ما للسامع ، وتجديد لنشاطه إلى سماع الخطاب فلا يلزم من ذلك أن كل خطاب لا التفات فيه ، فإنه لا يكون حسنا كما إذا قلنا : انما حسن استعمال المطابقة والتجنيس في الشعر لكذا وكذا ، لا يلزم منه أن يكون كل شعر لا تجنيس فيه ولا مطابقة غير حسن . . .
فقد بان أن هذا الموضع ما ذهب على الزمخشري وانما ذهب على من اعترضه » « 8 » .
ثم قال ابن الأثير : « والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون الا لفائدة اقتضته ، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ، غير أنها لا تحد بحد ، ولا تضبط بضابط ، لكن يشار إلى مواضع منها لا يقاس عليها غيرها » « 9 » .
وهذه الفائدة التي تكمن وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب والتي لا تحد بحد ولا تضبط بضابط قد أشار إليها الزمخشري بقوله بعد ما ذكر التطرية والايقاظ : « وقد تختص مواقعه بفوائد » « 10 » .
وقد ذكر ابن الأثير كلام الزمخشري في المواضع التي ذكرها ليقاس عليها غيرها ، من ذلك قوله تعالى :
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
« 11 » يقول ابن الأثير : « وانما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم ، لأن ذلك أدخل في امحاض النصح ، حيث لا يريد لهم الا ما يريد لنفسه ، وقد وضع قوله :
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي »
مكان قوله : « وما لكم لا تعبدون الذي فطركم » ألا ترى إلى قوله :
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
ولولا أنه قصد ذلك لقال :
الذي فطرني اليه أرجع . وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال :
« إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ »
« 12 » .
هامش
( 8 ) الفلك الدائر ج 4 ص 27
( 9 ) المثل السائر ج 2 ص 173
( 10 ) الكشاف ج 1 ص 12
( 11 ) يس : 22
( 12 ) المثل السائر ج 2 ص 172 - والآية من سورة يس : 25