وكأنها وما دلت عليه عبارتان تعتقبان على معنى واحد ، وهو في هذا يريد أن يلهم السامع المعاني المجازية ، أو الكنائية بسرعة ودون وقوف عند ظاهر النص ، وأن يلغى الواسطة التي هي الصورة البيانية ، أعنى غل اليد وبسطها ، والاستواء على العرش وعدم النظر إلى آخره ، وذلك لنفى التشبيه في ذات اللّه تعالى أو نفى الجارحة بسرعة خوفا على السامع من خطرات تقع للجهال ، وأهل التشبيه كما يقول لجرجانى « 325 » لذلك اهتم في كل أسلوب من هذه الأساليب ببيان الغاء الدلالة الظاهرة للتعبير حتى تنعدم الواسطة كما يقول الشراح ، لأن بقاء الواسطة قد يدفع إلى تصور الجارحة ، أو تصور التشبيه كما هو الحال في دلالة المعنى على المعنى ، حيث ينقل السامع من المعنى الأول إلى المعنى الثاني وجل اللّه عن ذلك .
ويطلق الزمخشري التمثيل على صورة قد اعتبرها من الكناية ، وذكرها من أمثلتها ، وقد اعتبرها كذلك من المجاز فيما قدمنا من النصوص .
يقول في قوله تعالى :
« وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ »
« 326 » : « هذا تمثيل لمنع الشحيح ، واعطاء المسرف ، وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الاسراف والتقتير » « 327 »
ولعل الزمخشري نظر هنا إلى وجه آخر من وجوه الدلالة وأدرك علاقة شبه بين منع الشحيح وغل اليد ، ولحظ أن غل اليد أدل على المنع لأن من غلت يده لا تمتد بالعطاء ، كما لحظ شبها بين اعطاء المسرف وبسط اليد ، ولحظ كذلك أن بسط اليد أقوى في الدلالة على السخاء فاعتبر ذلك من التمثيل ، وعلى كل حال لا مفر لنا من القول
هامش
( 325 ) انظر أسرار البلاغة ص 286 .
( 326 ) الاسراء : 29
( 327 ) الكشاف ج 2 ص 516 .