جواد ، أو بخيل ، لا فرق بين العبارتين الا فيما قلت ، حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال ، أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه : يده مبسوطة ، لمساواته عندهم قوله : هو جواد ، ومنه قوله عز وجل
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
أي هو بخيل
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
أي هو جواد ، من غير تصور يد ولا غل ولا بسط » « 320 »
ويقول في قوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
« 321 » « قالوا :
مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه ، ونظيره قولك للعربي : العرب لا تخفر الذمم ، كان أبلغ من قولك : أنت لا تخفر ومنه قولهم : قد أيفعت لداته ، وبلغت أترابه ، يريدون ايفاعه وبلوغه .
فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله : ليس كاللّه شئ ، وبين قوله :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
الا ما تعطيه الكناية من فائدتها ، وكأنهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد ، وهو نفى المماثلة عن ذاته ، ونحوه قوله عز وجل :
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
فان معناه : بل هو جواد من غير تصور يد ، ولا بسط لها ، لأنها وقعت عبارة عن الجود ، ولا يقصدون شيئا آخر حتى أنهم استعملوا في من لا يد له ، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ، ومن لا مثل له » « 322 »
فهذه أربع صور في اتفاق وجه الدلالة على المعنى فيها ، ويختلف فيها كلام الزمخشري هذا الاختلاف الذي نراه ، ففي واحدة يقول : انها من المجاز عن الكناية ، وفي الثنية يقول : انها من المجاز ، وفي الثالثة والرابعة يقول : انها من الكناية ، بل إنه ذكر آية :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ
هامش
( 320 ) الكشاف ج 3 ص 40 .
( 321 ) الشورى : 11
( 322 ) الكشاف ج 4 ص 166 ، 167