وحين يعارض ظاهر النص مبدءا من مبادئ المعتزلة يصرفه الزمخشري عن ظاهره ، فيلجأ أحيانا إلى طريقة التمثيل ، ويحمل الكلام عليها ، من ذلك قوله في قوله تعالى :
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
« 154 » وقد مر بيان وجه المجاز في هذا الأسلوب ، وأنه يحتمل أن يكون من الاستعارة ، وأن يكون من التمثيل ، وقد ذكرت ذلك ، ولكنه نظر فوجد الختم مسندا إلى اللّه سبحانه ، فبحث عن وجه يصرف به الكلام عن ظاهره ، لأن اللّه منزه عن فعل القبيح ، يقول في ذلك : « فان قلت : لم أسند الختم إلى اللّه تعالى واسناده اليه يدل على المنع من قبول الحق ، والتوصل اليه بطرقه ، وهو قبيح ، واللّه يتعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه ، وعلمه بغناه عنه ، وقد نص على تنزيهه ذاته بقوله :
« وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 155 » ،
« وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ »
« 156 » ،
« إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ »
« 157 » ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل ؟ . . . ويجوز أن يضرب الجملة كما هي
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
مثلا ، كقولهم : « سال به الوادي » ، إذا هلك ، و « طارت به العنقاء » إذا أطال الغيبة ، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ، ولا في طول غيبته ، وانما هو تمثيل ، مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي ، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء ، فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم اللّه عليها نحو قلوب الأغنام التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم أنفسها ، أو بحال قلوب مقدر ختم اللّه عليها لا تعى شيئا ولا تفقهه ، وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوها عن قبوله ، وهو متعال عن ذلك » « 158 » .
هامش
( 154 ) البقرة : 7
( 155 ) سورة ق : 29
( 156 ) الزخرف : 76
( 157 ) الأعراف : 28
( 158 ) الكشاف ج 1 ص 39 .