منبها على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه ، حيث عاجل بهم قبل الخبر الذي هو « البغاة » لئلا يدخل قومه في البغى قبلهم ، مع كونهم أوغل فيه منهم ، وأثبت قدما ، فان قلت : فلو قيل والصابئين وإياكم ، لكان التقديم حاصلا ؟ قلت : لو قيل هذا لم يكن من التقديم في شئ ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه ، وانما يقال : مقدم ومؤخر ، للمزال لا للقار في مكانه » « 111 » .
ومنها مراعاة ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في الضراعة والتوسل .
يقول في قوله تعالى :
« رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا »
« 112 » : « والدعاء بالاستغفار منهم مقدم على تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع ، وأقرب إلى الاستجابة » « 113 » .
ومنها ما يؤديه التقديم في بعض الصور من تقوية المعنى وتوكيده .
وذلك لخصوصية في المقدم كما في قوله تعالى :
« فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ »
« 114 » يقول الزمخشري : « فان قلت : هلا قيل : مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟ قلت : قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا ، كقوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ »
« 115 » : ثم قال « رسله » ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه اخلاف المواعيد كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته » ( الكشاف ج 2 ص 440 ) .
وبعد هذه المحاولات الجادة والمثمرة التي بذلها الزمخشري لكشف أسرار التقديم في نطاق الجملة والتي حاول فيها أن يجد لكل صورة معنى يشير اليه التقديم ، نجد له موقفا جريئا في هذا الباب يخالف فيه الامام عبد القاهر مخالفة واضحة . ذلك أنه يرى أن التقديم لا يجب
هامش
( 111 ) الكشاف ج 1 ص 515
( 112 ) آل عمران : 147
( 113 ) الكشاف ج 1 ص 227
( 114 ) إبراهيم : 47
( 115 ) آل عمران : 9