الهرب ، ويسمون الزادة منهم بأرواحهم حماة الحقائق ، وقدمهم في الذكر على الأنفس ، لينبه على لطف مكانهم ، وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها » « 93 » .
ومنها تقديم الأفضل ، يقول في قوله تعالى :
« وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ »
« 94 » :
« فان قلت : لم قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على نوح فمن بعده ؟ قلت : هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم ، فلما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم ، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه ، فان قلت : فقد قدم عليه نوح عليه السلام في الآية التي هي أخت هذه الآية وهي قوله تعالى :
« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ »
« 95 » ثم قدم على غيره ؟ قلت : مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك ، وذلك أن اللّه تعالى انما أوردها لوصف دين الاسلام بالأصالة والاستقامة ، فكأنه قال : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم ، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث ، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير » « 96 » .
ولاهتمامه بتقديم الأفضل يبحث سر تأخيره في بعض الصور مبينا كيف خالف القرآن هذا الأصل في التقديم . يقول في قوله تعالى :
« وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ »
« 97 » :
« فان قلت : لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله تعالى في سورة سبأ :
« عالِمِ الْغَيْبِ ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ »
؟ « 98 » قلت : حق السماء أن تقدم على الأرض ، ولكنه لما ذكر
هامش
( 93 ) الكشاف ج 1 ص 283 .
( 94 ) الأحزاب : 7
( 95 ) الشورى : 13
( 96 ) الكشاف ج 3 ص 415 .
( 97 ) يونس : 61
( 98 ) سبأ : 3