أن القرآن نزل بلسان القوم ، وعلى مذهبهم ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التوكيد والافهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والايجاز ، لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون وخروجه من شئ إلى شئ أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد « 128 » .
« وأما تكرار :
« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ »
« 129 » فإنه عدد في هذه السورة نعماءه ، وأذكر عباده آلاءه ، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه ، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية ، وجعلها بين كل نعمتين ليفهم النعم ويقررهم بها . . ومثل ذلك تكرار :
« فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ »
« 130 » في سورة « اقتربت الساعة » أي هل من معتبر متعظ » « 131 » .
ويذكر تكرار المعنى بلفظين مختلفين ، وأن يكون لاشباع المعنى والاتساع في الألفاظ وذلك قول القائل : آمرك بالوفاء وأنهاك عن الغدر ، والأمر بالوفاء هو النهى عن الغدر ، وآمركم بالتواصل وأنهاكم عن التقاطع ، والأمر بالتواصل هو النهى عن التقاطع ، وكقوله سبحانه :
« فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ »
« 132 » والنخل والرمان من الفاكهة فأفادها من الجملة التي أدخلها فيها لفضلهما وحسن موقعهما » « 133 » .
وقد درس القاضي عبد الجبار التكرار ودافع عن بلاغته ، وذكر أن شيخه أبا على قد أشبع القول فيه في مقدمة التفسير ، فذكر أن العادة من الفصحاء جارية بأنهم قد يكررون القصة الواحدة في مواطن متفرقة بألفاظ مختلفة لأغراض تتجدد في المواطن وفي الأحوال ، وذلك من دلالة المفاخر والفضائل لا من دلالة المعايب في الكلام « 134 » .
هامش
( 128 ) تأويل مشكل القرآن ص 182 .
( 129 ) الرحمن : 13 وغيرها .
( 130 ) القمر : 15 وغيرها .
( 131 ) تأويل مشكل القرآن ص 185 .
( 132 ) الرحمن : 68 .
( 133 ) تأويل مشكل القرآن ص 186 .
( 134 ) المغنى ج 16 ص 397 .