« وكذلك ما جاء في سورة المرسلات من التكرار في قوله تعالى :
« فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
: ليس من التكرار كما يروى القاضي عن شيخه أبى على ، وذلك لأنه أراد بما ذكره أولا : ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة ، وكلما أعاد قصة مختلفة ذكر مثله على هذا الحد فيه ، وبمنزلة من يقبل على غيره ، وقد قتل جماعة : ويل يومئذ لمن قتل زيدا . . . لمن قتل عمرا ، ثم يجرى الخطاب على هذا النحو في أنه لا يعد تكرارا » « 136 » .
وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب : أن تكرار القصص في القرآن نوع من أنواع التحدي البلاغي ، فقد أشار إلى الاعجاز البين في وقوع كلمات القرآن مواقعها وعرض آيات كثيرة يشير فيها إلى هذه البلاغة الفائقة ، ثم دعا إلى النظر في سورة تامة والتعرف على التصرف في قصصها ثم عرض سورة النمل وقال في ذلك :
بدأ بذكر السورة إلى أن بين أن القرآن من عنده فقال :
« وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ »
« 137 » ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى نارا فقال لأهله :
« إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »
« 138 » وقال في سورة طه في هذه القصة :
« لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً »
« 139 » وفي موضع :
« لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »
« 140 » وقد تصرف في وجوه وأتى بذكر القصة على ضروب ، ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك ، ولهذا قال :
« فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ »
، ليكون أبلغ في تعجيزهم ، وأظهر للحجة عليهم » « 141 » .
هامش
( 136 ) المرجع السابق ج 16 ص 399 .
( 137 ) النمل : 6 .
( 138 ) النمل : 7 .
( 139 ) طه : 10 .
( 140 ) القصص : 29 .
( 141 ) اعجاز القرآن : ص 189 .