نعم واللّه وإني لأرقي ، ولكن استضفناكم ، فلم تضيفونا ، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا ، فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ، ويقرأ : الحمد للّه رب العالمين ، فكأنما أنشط من عقال ، فانطلق يمشي وما به قلبة ، قال : فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم : اقتسموا ، فقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنذكر له الذي كان ، فننظر ما يأمرنا ، فقدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذكروا له ذلك ، فقال : « وما يدريك أنها رقية ؟ » ، ثم قال : « قد أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم سهما » « 1 » .
وقد روى ابن ماجة في « سننه » من حديث علي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير الدواء القرآن » « 2 » .
ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة ، فما الظن بكلام رب العالمين ، الذي فضله على كل كلام كفضل اللّه على خلقه الذي هو الشفاء التام ، والعصمة النافعة ، والنور الهادي ، والرحمة العامة ، الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته . قال تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
[ الإسراء : 82 ] « ومن » هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض » هذا أصح القولين كقوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
[ الفتح : 29 ] ، وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات . فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن ، ولا في التوراة ، ولا في الإنجيل ، ولا في الزبور مثلها ، المتضمنة لجميع معاني كتب اللّه ، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى - ومجامعها ، وهي : اللّه ، والرب ، والرحمن ، وإثبات المعاد ، وذكر التوحيدين : توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلهية ، وذكر الافتقار إلى الرب - سبحانه - في طلب الإعانة وطلب الهداية ، وتخصيصه - سبحانه - بذلك ، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه ، وما العباد أحوج شيء إليه ، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم ، المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، والاستقامة عليه إلى الممات ، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى : منعم عليه بمعرفة الحق والعمل به ومحبته وإيثاره ، ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له ، وضال بعدم معرفته له . وهؤلاء
هامش
( 1 ) البخاري ( 5749 ) في الطب ، باب النفث في الرقية ، ومسلم ( 2201 / 65 ) في السلام ، باب : جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار .
( 2 ) ابن ماجة ( 3501 ) في الطب ، باب : الاستشفاء بالقرآن ، وفي الزوائد : « في إسناد الحارث الأعور ، وهو ضعيف » .