وإن وجد بمشيئته .
قال تعالى :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
[ البقرة : 205 ] ، وقال :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
[ آل عمران : 57 ] ، وقال :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
[ لقمان : 18 ] ، وقال :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
[ النساء : 148 ] ، وقال :
وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[ المائدة : 87 ] ، وقال :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
[ الزمر : 7 ] .
فهذا إخبار عن عدم محبته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها . فهذا صريح في إبطال قول من تأول النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه ، ويحبها إذا وقعت ، فهو يحبها ممن وقعت منه ، ولا يحبها ممن لم تقع منه . وهذا من أعظم الباطل والكذب على اللّه ، بل هو - سبحانه - يكرهها ويبغضها قبل وقوعها ، وحال وقوعها ، وبعد وقوعها ؛ فإنها قبائح وخبائث ، واللّه منزه عن محبة القبيح والخبيث ، بل أكره شيء إليه .
قال اللّه تعالى :
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
( 38 ) [ الإسراء ] .
وقد أخبر - سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين ، ولأجل ذلك يثبطهم عنها ، فكيف يحب نفاقهم ويرضاه ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيين ؟
ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب - سبحانه - وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح ، فلا فرق بالنسبة إليه - سبحانه - بين الشكر والكفر ، ولذلك قالوا : لا يجب شكره على نعمه عقلا .
فمن هذا الأصل قالوا : إن مشيئته هي عين محبته ، وإن كل ما شاءه فهو محبوب له ومرضى له ومصطفى ومختار . فلم يمكنهم بعد تأصل هذا الأصل أن يقولوا : إنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها ويحب بعضها ، بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له ، والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه .
وإنما أصلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر ، فحثوا به على الشرع والقدر ، والتزموا لأجله لوازم شوشوا بها القدر والحكمة ، وكابروا لأجلها صريح العقل ، وسووا بين أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر ، وقالوا هما سواء لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر والنهي ، فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مسار للصدق والعدل والإحسان في نفس الأمر . ليس في هذا ما يقتضي حسنه ، ولا في هذا ما يقتضي قبحه ، وجعلوا هذا المذهب شعار لأهل السنة ، والقول بخلاف قول أهل البدع من المعتزلة وغيرهم .