تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 807

مساهمون:

ص٨٠٧
شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
ثم قال :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
[ النمل : 60 - 61 ] ، يقول اللّه تعالى مع ذكر كل نعمة من نعمه وأنه من آثار قدرته وشواهد ربوبيته : هل مع اللّه إله يفعل ذلك أو يقدر ، على وجه التنبيه لهم والإذكار بنعمه والدعاء إلى الاستدلال على وحدانيته ، وليس هذا ونحوه من العيّ والتكرار في شيء . فأمّا تكراره في سورة الرحمن :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإنّه أيضا ليس بتكرار ، لأنّه عدّد لهم ضروبا من الإنعام مختلفة ، ثم قال للإنس والجنّ عقيب ذكر نعمه ، فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان ، أي بأيّ هذا تكذبان أم بهذا أم بهذا ، فيدلّهم بذلك على كثرة نعمه عليهم ، وأنه لا ينبغي أن يكفروا ويجحدوا شيئا من ذلك . وقد تقول العرب لمن تنهاه عن البغي والفساد في الأرض ، أتقتل فلانا وأنت تعلم براءة ساحته ، وتقتل فلانا وأنت تعرف نسكه ودينه ، وتقتل فلانا وأنت تعلم إجابة دعوته ، وحسن قبوله في الناس ، ولا يزال يعدد عليه أوصاف / من ينهاه عن قتله ، ويعتقد انزجاره بذكر صفاته ، ويكرر ذكر القتل وليس ذلك بعي ولا تكرار من القول بل هو نفس تعبير البراعة ، وحسن اللّسن ، فسقط ما تعلّقوا به . فإن قالوا : فإن اللّه تعالى قد كرّر في هذه السورة قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
، عند ذكر ما ليس من النّعم والإفضال في شيء ، فقال :
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 ) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 43 - 45 ] ، وقال :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 35 - 36 ] .
الإنتصار للقرآن — صفحة 807 | محمد بن الطيب الباقلاني