تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 13 ] ، قيل لهم : فليس في هذا شيء من التكرار المستكره بل هو الفصاحة وما عليه عادة أهل الخطاب . فأما قوله تعالى في المرسلات :
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
فهو : أنّه ذكر فيها تعالى أمرا بعد أمر من خلقهم وأهل الكفر والطغيان من عباده خلفهم بسلفهم ثم قال عقيب كل شيء يذكره من ذلك فويل يومئذ للمكذبين بهذا الشيء الأول ، الذي ذكرته ، ثم ويل يومئذ للمكذبين بالشيء الثاني الذي ذكرته ، فالويل الثاني غير الويل الأول وربما كان لغير من له الويل الأول كأنّ المكذب بالويل الأول مما ذكره غير المكذب الثاني ، لأنّه تعالى قال :
أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 18 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المرسلات : 16 - 19 ] بإهلاكنا الأولين وإلحاقنا بهم الآخرين ، ثم قال :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المرسلات : 20 - 24 ] ، ثم كذلك أخبر بالويل لمكذّب كل شيء عدّه ووصفه من نعمه ونقمه ووجوب / أفضاله وحكمه ، فخرج ذلك عن أن يكون تكرارا لأنّ القائل قد يقول لغيره ، ألم ننعم عليك بإيوائك وأنت طريد ، أتكذب بهذا ؟ ألم أهلك عدوك وأنصر وليّك ومن نصرك ، أتكذّب بهذا ؟ ويقول : ويل لمن كفر نعمتي وويل لمن جحد حقّي ، وويل لمن ظلمني وويل لمن كذب عليّ ، في أمثال ذلك مما لا يعدّه أحد من أهل اللسان عيّا ولا لكنا وإطالة وتكرارا . وأمّا قوله تعالى في سورة القمر :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
فهو جار أيضا على هذه السبيل ، لأنه تعالى عدّد فيها نعما وأفضالا وعقابا وانتقاما وأمورا متغايرة ، ثم قال عقيب كل شيء من ذلك :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يعني متّعظ ومنزجر بهذا لأنّه قال تعالى :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 )